حكاية قطيفية بصياغة جديدة
كان يا ما كان في قديم الزمان، رجل اسمه ياسين، كان شخصًا مكافحًا شهما، قويًا وبه بعض الحياء الذي ينم عن الأدب والاحترام.
وقد كان والد ياسين من عامة الناس الفقراء، الذين يقتاتون على جهدهم اليومي، يكدح طوال اليوم من أجل لقمة كريمة وشريفة، ولكن الأمراض حاصرته وهو في سن الكهولة، فأقعدته عن العمل.
أما الابن ياسين، فيعمل في الصيف بحارًا مع النواخذة، وفي الشتاء يعمل بناءً أو يعمل في الحدادة أو النجارة، أو كل ما تيسر له من عمل ينخرط فيه بهمة وعزيمة؛ ولكن المهنة التي يزاولها معظم أشهر السنة هي الغوص في البحر، فقد كان غواصًا ماهرًا، وبحارًا لا يشق له غبار، يقضي في البحر أيامًا ثم يعود ببعض خيراته من الأسماك والروبيان وبعض الدراهم والبيزات.
ظلوا على هذا الحال هو وأسرته الصغيرة سنوات طويلة حتى اختار الله أباه إلى جواره، وبقي يرعى والدته، يشقى من أجل تأمين لقمة العيش اليومية، والمتبقي من قليل المال يسلمه إلى والدته للادخار.
ظلوا على هذا الحال يعيشون حياة متواضعة وهادئة ورتيبة، حتى جاء يوم وفاتحتْه والدته بما ترغب به كل أم، فقالت له: ”يا ولدي، أمنيتي ومبتغاي في هذه الدنيا أن تتزوج قبل أن ألقى ربي. وقد جمعت لك مهر الزواج وزيادة لتعمر به الدار الخربة“؛ وأردفت: ”بودي يا ولدي أن أراك سعيدًا، وقد استقرت أمورك“.
فأجابها ولدها ياسين: ”لقد كبرت يا أماه، وصار عمري قرابة الثلاثين عامًا، من يرتضيني زوجًا وأنا بهذا الحال؟“؛ هذا كان جوابه المعتاد.
فقالت له أمه: ”أم إبراهيم جارتنا لديها بنت على زواج، صحيحة الجسد الممتلئ، قوية الأسنان، ناعمة الخدين، ولها شعر أسود كليلٍ حالك الظلام، هي صحيح مسكينة وفقيرة، ومثلنا على قدر حالها، ولكنها تحفظ جزءين من القرآن عن ظهر غيب، وقد فاتحتني أمها على خجل برغبتها في الزواج كأنها تلمح إليك؛ أنت تعرف يا ياسين، هي سلمى بنت أم إبراهيم. أبعد مكان تزوره مع أمها هو الذهاب إلى بيت خالتها في الساباط الغربي بجانب الدروازة، كما إنها بنت“ كافة عافة ”، تتمتع بالأخلاق الحميدة، والتواضع، وبساطة المأكل والمشرب، ولا تتردد من أكل ما يرزقه الله حتى لو كانت كسرات من الخبز وبعض من التمور، لكنها يا ابني كريمة نفس، شريفة، تحافظ على سمعتك ومكانتك بين الناس“.
اقتنع ياسين بمشورة أمه، وبنى داره الخربة، ووضع لها بابًا من خشب الصندل الهندي المتين، وتقدم لسلمى وتمت الخطبة، ثم مراسيم الزواج.
عاش الثلاثة في حياة ملأها الحب والألفة والتفاهم لبضعة أشهر، وكان يقوم بأعماله المعتادة من حدادة وتجارة وبناء، وقد زاد دخله قليلاً، فأدخل في بيتهم الفوانيس بدلاً من الشموع، واقتنى دافورًا للطبخ بدلاً من موقد الخشب، وكانت أمه تدعو لهما بالسعادة والمودة، وأصبحت تعامل سلمى مثل ابنتها؛ تحنو عليها وترشدها وتعلمها أنواع الطبخ الذي تجيده.
ويمضي الزمن وهم في سعادة وهناء، ولكن الأيام ليست كلها وئامًا؛ ففي ليلة باردة أصيبت الأم بحرارة شديدة ونزلة حادة في الصدر، صاحبها سعالٌ شديد وازرقاق في البشرة، لم تمهلها الأيام وكان القدر الذي اختارها في ليلة مباركة فارقت فيها الحياة، كان وجهها ناصع البياض، وابتسامة الرضى قد ارتسمت على محياها الهادئ. فقد كانت قبل مماتها تدعو ربها بأن يجمعها وزوجها الذي أحبت في دار الخلد.
تركت وفاة عمتها أم ياسين فراغًا كبيرًا في البيت لم تتمكن سلمى من تعويضه، أصبحت وحيدة لبعض الوقت، خصوصًا حينما يحين موسم ذهاب زوجها ياسين للبحر، ولكن وحشتها تتبدد نوعًا ما حينما تتزاور مع جارتها الحنونة مريم، كانت مريم لها كالأخت، بالإضافة إلى أمها أم إبراهيم التي أنهكتها الأمراض وشظف العيش، وبؤس الحياة وشقاؤها، إلا أن شفقة الأم كانت ملازمة لشخصيتها الودودة والعاطفة الجياشة.
ذات يوم وخلال شهر شعبان، أحضر الزوج ياسين مؤنة كبيرة عبارة عن سكر وأرز وطحين وسمن بلدي وتمر، نقلها حمار السيف، وكان ياسين فرحًا، فهذه هي المناسبة الأولى التي يتزود فيها لشهر رمضان.
لم تسعه الفرحة أيضًا مع حمل زوجته، كما أنه سعيد كون زوجته ستقوم بتدبير كل هذه الأمور، وكان يقول مخاطبًا نفسه: ”سيكون هذا الشهر الفضيل شهرًا مميزًا هذا العام وممتعًا، سيكون الأكل في الإفطار وفيرًا، سأدعو أصحابي وأقربائي من وقت لآخر لتناول السحور، وسيكون لي شأن في هذه الحارة وهذا الفريق، أريد أن أحدث الناس بهذه النعم التي رزقني بها الله“.
سألته سلمى وأخذته من سرحانه على غفلة: ”لماذا هذا الزاد كله يا ابن العم؟“.
ابتسم في رضى واعتزاز، وقد زادت أكتافه انفراجًا وتوردت وجناته الحنطية، قائلاً لها: ”هذا يا سلمى رزق رمضان، ورمضان كريم“. ”يعني هذا لرمضان؟“؛ سألته ببساطة وانسحبت بهدوئها المعتاد.
واصل ياسين دندنة البحارة التي دائمًا يطرب بها زوجته سلمى: ”يامال، ياللي ما له أول ماله تالي، غدرك يا بحر مثل غدر الزمان، لكن حبيبي ومهجتي عايش في قلبي بأمان“.
كانت الجارة مريم تسمع الأحاديث التي تدور في بيت جارتها، وعرفت عن المؤنة التي جلبها زوج صديقتها، وشكرت الله على النعمة التي أرسلها الله إلى هذا البيت الطيب، وحدثت نفسها بأنها ستكون لجارتها وصديقتها العون والمرشد.
كان صاحب الحمار ”الحمالي“ الذي جلب الأغراض قد سمع أيضًا ما كان يدور من حديث بين الزوجين، وقد كان يبدو عليه الفضول فيما يدور بينهما، وأدرك بحسه الخبيث سذاجة الزوجة الصغيرة، وأنها لم تعر الانتباه المطلوب لكلام زوجها، وكذلك الزوج لم يعر انتباهًا لتطفل صاحب الحمار؛ حيث إنه كان مشغولاً بوضع المؤنة في مكانها المناسب في غرفة المعيشة.
مضت الأيام والزوجان يعيشان في هناء ومودة، إلى أن حان موعد دخول البحر، قال لزوجته: ”هذا آخر أسبوع أدخل البحر قبل رمضان، وعندما يدخل الشهر الكريم سأكتفي ببعض الأعمال البسيطة“؛ ودعها كالمعتاد بحرارة الزوج العطوف، ونبهها كالعادة من الأشرار والحاقدين والابتعاد عن رفيقات السوء، وكذلك الانتباه من بعض العقارب والحيات والفئران الكبيرة والقوارض المنتشرة بكثرة في جحور المنزل، وأوصاها بلبس تميمة والدته عن الحسد والعين.
وبقدر قلقه الدائم على زوجته، إلا أن فرحة دخوله البحر لا يعادلها فرحة؛ فياسين رجل قوي تعود على البحر وأهواله، والنواخذة جميعهم يكنون له الاحترام ويعتمدون على قوته وصبره، وكذلك زملاؤه من البحارة، فهو يحبهم جميعًا ويستمع إلى شكواهم ويكتم أسرارهم، وقد درب العشرات على مهنة الصيد والغوص، كما أنه مطمئن إلى الجارة مريم وحبها لزوجته.
الجارة مريم في هذه الأوقات تكثف من زيارتها إلى صديقتها سلمى، وذات نهار، طرق باب بيت سلمى رجلٌ كهل يتعمم بقطعة من الصوف ويصطحب معه حمارًا رفيعًا قويًا مزينة أطرافه بالحناء، وكانت إحدى أذنيه مقضومة بشكل واضح، أعاد طرق الباب بهدوء وحذر، فسألت سلمى: ”من بالباب؟“؛ أجابها الطارق: ”هذا أنا، اسمي رزق رمضان، أتيت لأخذ حاجياتي التي تركها زوجك الحاج ياسين! هل لا زالت الحاجيات موجودة؟“.
أجابته وبدون تردد: ”نعم حجي رزق، هي جميعها موجودة في غرفة المعيشة“.
• ”اعملي طريق الله يرحم والديك، ويرحم أم ياسين“.
• ”تفضل يا حاج الله يحفظك ويبقيك“.
في هذه الأثناء كانت مريم في بيتها تستمع وتتابع ما كان يجري من حديث، وعندما لمحت الحمار وصاحبه من نافذة منزلها تذكرت الصوت وعرفته؛ هو نفسه الصوت الذي نقل مؤنة رمضان، ولكنها لم تتأكد من كل ما يجري بل أصابها الخوف والوجل، وخافت أن تفضح أمره وتكون غير متيقنة من أحاسيسها، بل خافت في لحظة من اللحظات أن يكون هذا الرجل لصًا وقد يكون لديه سكين، فكرت وعصرت دماغها وقالت لنفسها: ”ماذا عساني أن أفعل؟ ليس عندي دليل على أن هذا الحمال لص، يمكن يكون الأمر صدقًا وتكون تلك الحاجيات تخصه“؛ إلا أن شكوكها بخبث الرجل كانت كبيرة، وأن أمرًا غير عادي يجري في منزل جارتها، ولابد أن يكون صاحب الحمار من الأشخاص الذين يتربصون بالمنازل.
اهتدت مريم إلى أمر ما؛ تذكرت أنها قد عملت القهوة ولا زالت حثالتها الكثيفة باقية في وعاء الغلاية، فقبل أن يغادر ومعه السرقة، سكبت القهوة من أعلى السطح على الحمار وعلى صاحبه الذي بدأ يشتم ويولول واستدار بوجهه نحو جهة المنزل شاتمًا من قام بتلك الفعلة، وقد بان لمريم وجهه بالكامل، وقد امتطى حماره وهرب بما أخذه من مؤنة وعيونه تطاير منها الشرر.
التزمت مريم الصمت لم تفاتح أحدًا بما فعلته، وكذلك لم تفاتح صديقتها وجارتها بما سمعته وبما جرى، ولكن دماغها كان مزدحمًا بألوان مختلفة ومتصارعة من الأفكار المتضاربة، ولم تكن قادرة على تفسير حقيقة ما جرى، ولم تشأ التدخل المباشر فيما لا يعنيها، كانت الشكوك تساورها بأن أمرًا ما سيتضح لها، وعن قريب سيرجع ياسين إلى بيته من رحلة البحر، وهي ربما يوم أو يومان وتتضح الأمور.
وهذا ما حدث فعلاً؛ فبعد يومين وعند انبلاج الصبح رست السفينة محملة بخيرات البحر، وعادة البحارة تستقبلهم نساؤهم وأولادهم عند المرفأ بالأهازيج والرياحين، حاملين لهم ملابس نظيفة يرتدونها بعد أن يستحموا بالمياه العذبة التي يوفرها المرفأ.
رجع ياسين سالماً غانماً، بسمك وفير يطبخ بعضه ويوزع قسم آخر على الأقارب والجيران، والمتبقي منه يملح ويجفف كمقدد لاستخدامه لفترات طويلة.
بعد تناول فطوره وقد استقر به الحال في بيته، ذهب ليطمئن على مؤنة رمضان التي اشتراها قبل سفره فلم يجدها، ذهب لداره ولا أثر لها، سأل نفسه: ”أين ذهبت تلك المؤنة؟“؛ لم تمهله تساؤلاته، دخلت عليه سلمى مبتسمة، قانعة بما لديها من أسماك وبعض القمح والحنطة: ”لقد سلمت الأرزاق إلى صاحبها، حملها على حماره“.
• ”لم أفهم عن أي شيء تتحدثين، من هو الذي أخذ المؤنة؟“؛ قالها وقد قطب جبينه.
• قالت له: ”ولد عمي، أخذها الرجل الذي اسمه رزق رمضان، جاء قبل يومين وقال أنا رزق رمضان، وهو شخص أجودي، أخذ أغراضه وانصرف، وأنت قلت هذه الأغراض لرزق رمضان، وقد أخذ الأمانة دون نقصان“.
في هذه الأثناء لم يحتمل ياسين الموقف وخرج من وقاره وهدوئه، وصار يصرخ لأول مرة في وجه سلمى، قائلاً لها بصيغة المستنكر: ”أيُّ رجلٍ وأيُّ حمار؟ هذه أرزاقنا يا امرأة لإطعامنا في شهر رمضان، كيف فتحتِ الباب للغريب؟ كيف تعطينه هذه الأرزاق؟ لا حول ولا قوة إلا بالله، ما هذه المصيبة التي حلت بنا؟ أين ذهب هذا اللص؟ كيف شكله؟ وماذا قال لك؟“.
أمطرها بالأسئلة وهو في شدة حنقه وغيظه من هذا التصرف، ولكن سلمى لم تتمكن من الإجابة وراحت تبكي وتندب حظها العاثر، تشتم نفسها وتلومها وتضرب رأسها بكفيها وتلطم وجهها تارة أخرى، حتى إنها لم تتمالك وسقطت على الأرض، وصارت تحفر بأظافرها التربة وتهيل على نفسها التراب، وتضعه على رأسها، وتخضب وجهها بما علق من أوساخ الأرض، زاد نحيبها وأخذت تتلوى على الأرض وتدعو على نفسها بالموت؛ وهي على هذا الحال، خاف ياسين على زوجته سلمى، فقد لاحظها وهي تدخل في نوبة هستيرية مخيفة مختلطة بين النحيب والصراخ وتعنيف نفسها بالضرب.
حاول تهدئتها دون فائدة، انكب عليها يترجاها ويتوسلها، محاولاً إقناعها بأن الذي حصل هو نصيب، ولكن لم ينفع كلامه ولم يستطع مساعدتها النهوض من على الأرض فقد كانت ترفض النهوض معنفة نفسها إلى أقصى درجة، وعندما سمعت الجارة مريم الهرج والنحيب وبكاء الزوج، أدركت أن الموضوع يحتاج إلى مساعدتها، فأسرعت إليهم وطرقت الباب وهي تقول لهما: ”هذه أنا مريم“؛ وصار الزوج ياسين يستنجد بها فاسحًا المجال أمامها قائلاً لها: ”ادخلي على وجه السرعة يا مريم، ساعدينا يا مريم، الله يخليك يا مريم، أنقذيها الله يجزيك خير الجزاء“. قالت له: ”اهدأ أنت، دعني أعالج الأمور، اتركنا يا ياسين ولكن لا تذهب بعيدًا“.
امتثل ياسين إلى كلام الجارة وقد كان في أشد ذهوله وحيرته.
حضنت مريم صديقتها سلمى، ذكرتها بغضب الله عليها إذا فعلت في نفسها مكروهًا، ضمتها إلى صدرها، مسحت على ظهرها برفق الصديقة الحنون، اختلطت دموعهما وهي تنظف رأسها ووجهها، تشابكتا وهن جاثمتان على الأرض، أخذت أطراف ملفعها تكفف بها دموع صديقتها وانتشلتها من ذهولها، طلبت من ياسين إحضار قدح من الماء، أحضر لها على وجه السرعة جرة صغيرة من الماء البارد، أخذت في البدء بغسل وجهها ثم سقتها القليل منه، كانت تهدأ قليلاً ثم تستأنف البكاء والأنين، وهي تتمتم بما حدث لها عن ذلك اللص الذي خدعها وسرق رزق رمضان.
بعد أن هدأت مريم من روع صديقتها استدعت ياسين الذي وقف مشدوهًا من منظر التلاحم بين الصديقتين، لمعت عيناه بالدموع ولكنه حاول السيطرة على الموقف برباطة جأش.
بعد أن هدأت الأمور قالت مريم: ”سأقص عليك ما حصل، فأنا رأيت ما جرى من نافذة غرفتي العلوية“. أخذت تقص ما رأته عندما هم صاحب الحمار بالفرار، وكيف خطرت فكرة سكب حثالة القهوة عليه وعلى حماره، وكيف تحول وجهه المائل للحمرة حنطي البشرة ومعه حماره الكبير، وصفت له وجهه والندبة التي في أذن الحمار.
”خيرًا فعلتِ يا مريم“؛ قالها ياسين وكأنه اكتشف أمرًا ما، وقال: ”سأذهب لسوق الحمير اليوم، وسأتعرف على الحمار الذي اصطبغ بحثالة القهوة“. ولكن الجارة مريم أجابته: ”ليس اليوم يا ياسين، اليوم اعتني بزوجتك وبجنينها، اليوم هي بحاجة إلى عطفك ورعايتك، اليوم سلمى محتاجة إلى الأمن، محتاجة أن تبقى إلى جانبها، وغدًا بعد أن تهدأ الأمور وتتعافى سلمى اذهب إلى حيث تشاء“.
لم يستطع ياسين الخروج لمدة ثلاثة أيام، كان خلالها يراعي زوجته ويسهر على راحتها ويكفكف دموعها، وقد نجح إلى حد بعيد؛ فقد كان لحنانه ورأفته الدور الكبير في استعادة زوجته عافيتها، وعادت الأمور إلى وضعها الطبيعي باستثناء دموع الندم والأسى على ما جرى من ضياع أرزاق رمضان.
في اليوم الرابع ذهب ياسين إلى سوق الحمارة باحثًا عن الحمالي صاحب الحمار، كان السوق مزدحمًا بمئات الحمير، بعضها محملة بقلال التمور وأخرى بسعف النخل وثالثة بالأرز، سأل بعض العمال ”الحمالية“ عن مواصفات ذلك الشخص وحماره، فأرشدوه الذهاب إلى شيخ الحمارة.
قص ياسين ما جرى له إلى شيخ الحمارة، واصفًا صاحب الحمار والحمار بما أخبرته به مريم. فقال شيخ الحمارة: ”هل قلت أن صاحب الحمار قوي البنية، حنطي اللون، كهل، وحماره رفيع وأذنه مقطوعة وعليه آثار حثالة القهوة؟“.
• ”نعم، ذلك هو الوصف الصحيح!“.
• فقال له شيخ الحمارة: ”لا تكمل القصة يا بني، هذا الشخص معروف لدينا، هذا هو أبو خنجر، لا أحد يستطيع توقيفه، هذا الإنسان لا يتورع في عمل أي شيء، يعني مجرم تخافه حتى والدته، وحتى شيخ البلد يتحاشاه، ثم إنه محتال مخادع، حتى الأشياء التي يسرقها لا يبقيها عنده، أغلبها يبيعها في السوق بسعر بخس وبعضها يودعها عند مجموعته من العصابة، وهذه العصابة كبيرة وقوية بمجرد أن تراهم تخافهم، شعورهم طويلة مجدولة بضفائر ووجوههم قاسية، يحملون دائماً عصي الخيزران في أيديهم، ملابسهم مهملة وعيونهم حمر يتطاير منها الشرر؛ أما أبو خنجر فيملك أكثر من عشرة حمير وجميعها مسروقة من القرى المجاورة. نصيحتي لك يا ولدي: استر على روحك، وآمن على نفسك، آثر السلامة على نفسك وأهلك وأغلق هذا الموضوع، والذي حصل لك حصل للكثيرين من الناس، أنصحك بعدم التحدث عن الأمر حتى لا يصيبك مكروه، واحتسب ما جرى لك عند ربك والله هو المعوض، كما أنني لا أرغب أن أراك هنا مرة أخرى حتى لا تثير الشبهات!“.
شكر ياسين شيخ الحمارة وأدرك أن ليس بيده شيء يفعله، أخذ بنصيحته مكرهًا وحمل همه معه وانصرف نحو السوق، اشترى بعض أغراض رمضان وكانت قليلة ولكنها دون طموحه وأمنياته بالعزائم التي كان يرغب بدعوة أصحابه والمقربين من عائلته، فقد شعر بأن كل الأمنيات ذهبت أدراج الريح.
استدار ليرجع إلى بيته مطأطأ الرأس يحمل همومه بين أضلعه، وكان حزن شديد يتملكه، ولكن سيرة اللص أبو خنجر وعصابته كانت تقلقه وتحرمه لذة العيش.
وصل إلى علم الجارة مريم من خلال صديقتها سلمى عن الأحوال النفسية التي بدأت تظهر على مزاج ياسين، فقد بدأ محبطًا ومهمومًا مما حصل وشعر بالخوف مما قد يحصل لهما في المستقبل، عندها قالت لسلمى بأن الحل عندها وطلب منها ألا تخبر أحدًا حتى زوجها، ووعدتها سلمى بدورها بكتمان السر. لذلك بادرت من تلقاء نفسها بالذهاب إلى بيت القاضي، ولكونها تعرف ابنته عن قرب شرحت لها ما حصل لبيت جيرانهم من مكيدة أدت إلى سرقة مؤنة رمضان، وشرحت لها عما يجري من قبل بعض اللصوص.
عندما عرف القاضي بتلك القصص، بعث أعوانه للتحقق من تلك الحوادث المقلقة، وعندما تيقن من صحة المعلومات، بعث لحاكم المنطقة يخبره بما جرى، وعلى الفور قبض على شيخ الحمارة فهو زعيم العصابة، وعلى صاحب الحمار أبو خنجر وبقية أفراد العصابة؛ وبعد يوم طرق بيت ياسين طارق، وعندما خرج ليرى من في الباب رأى ما أثار دهشته؛ فقد كان صاحب الحمار يتبعه عدة حمير محملة بجميع البضائع المسروقة، وكان مقيد اليدين وتمسك به الشرطة، فسأل أحدهم: ”هل أنت ياسين؟“.
• ”نعم أنا ياسين“.
• ”هل تستطيع التعرف على مؤنتك؟“.
• ”نعم“.
• ”اختر مؤنتك وخذها إلى منزلك“.
تهلل وجه ياسين وأشرقت نفسيته بالفرح والسرور، وانعكس جليًا على مزاج سلمى التي بادرت باحتضانه قائلة: ”الرزق الحلال لا يضيع وإن تأخر استرجاعه يظل محفوظًا لأجل مسمى“؛ ثم قالت له: ”لاشك أن من قام بدور البطولة هي صديقتي مريم“.
• ”كيف عرفتِ يا سلمى؟“.
• ”هي من وعدتني باسترجاع حقنا المسروق، وهي من ذهبت للقاضي، وقد وعدتها بأن لا أفشي السر لأحد حتى لا يفسد الأمر وتنكشف الخطة، وأرجو أن يبقى هذا السر بيننا، وتلك كانت رغبتها وكان لها ما أرادت“.
• فقال ياسين: ”إن هذا السر سيظل مدفونًا في بئر“؛ قالها وعلامات الجد والثقة بائنة في وجهه.
مرت الأيام هادئة وقد استعادت سلمى صحتها، ودخل شهر رمضان وكان الجو لطيفًا ولياليه منعشة، فبدأت الحارة مضيئة من كثرة القناديل والشموع والفوانيس، وكانت المساجد مليئة بالابتهالات والدروس والوعظ، وكان الحكواتية والقصاصون يدورون من فريق إلى آخر يسردون قصص أبو زيد الهلالي وعنترة والشاطر حسن والسندباد، والأطفال يلعبون ألعابهم المفضلة والمخصصة لشهر رمضان.
تنفست المدينة السلام وخرج الصبية والبنات في أهازيج المودة والوئام، ونصبت زينات الفرح، وفي المنزل نظر ياسين إلى زوجته وهي في أشهرها الأخيرة قائلاً: ”أتمنى أن يعيش مولودنا في أمان وسلام“.
















