آخر تحديث: 23 / 2 / 2026م - 9:03 م

قدسية الكراج

سراج علي أبو السعود *

حينما يقف مُصلٍّ أمام باب كراج منزلٍ لا ينبغي أن يرفع يديه قائلاً: اللهم أصلح كل فاسد من أمور المسلمين. بل الأولى أن يقول: اللهم أصلحني. فأمور المسلمين لم تُفسدها المؤامرات ولا تكنولوجيا الحرب ولا دهاء الجيوش وحدهم، بل أفسدها أيضًا من يقف أمام كراجات البيوت، لا تظن قارئي العزيز أن انتصار جيش على آخر سببه السلاح فقط. هناك أسباب أصغر من دبابة ومدفع. الواقف أمام كراج بيت هو واحد من تفاصيل هزائم الأمم، ولو بدا المشهد بسيطًا في عينيه. الرهان على أمة لا تحسن احترام قدسية ”الكراج“ رهان خاسر. فالكراج هو طريقة تفكير. هو امتحان يومي للأخلاق حين لا يوجد كاميرا ولا رقيب.

كنت قد شاهدتُ فيديو ظريفًا لأطفالٍ في روضةٍ يابانية يتعلّمون كيف يرتّبون غرفة نوم. المعلمة بعثرت كل شيء على الأرض بيدها، ثم وقفت بينهم، لا تصرخ في وجه طفل: ”حسينوه جوز لا أنتفك!“ ولا تُلوّح بيدها في وجه أخرى: ”سلموه قعدي زي الناس لا أضربش دست!“ لم يكن هناك إذلالٌ يُنتج طاعةً مؤقتة، ولا فوضى تُقابل بفوضى أعلى صوتًا. سين شين هونغ جعلت الأطفال ينظفون الغرفة وهم يضحكون. ينحنون لالتقاط الأشياء لا خوفًا، بل فهمًا. يتعاونون لا لأن أحدًا يراقبهم، بل لأن الترتيب صار جزءًا من وعيهم. كان فيهم الأسود والأبيض، والمسلم والمسيحي واليهودي، لكنهم لم يكونوا مشغولين بتصنيف بعضهم. كانوا مشغولين بترتيب المكان الذي يجمعهم. هكذا تُزرع البذور. طفلٌ يتعلّم أن الشيء ليس ملكه وحده، وأن الفوضى التي يصنعها يجب أن يُصلحها. طفلٌ يفهم أن النظام ليس قيدًا، بل احترامًا متبادلًا. وهكذا، حين يكبر، لا يقف أمام كراج بيتٍ ليس له. لا لأنه يخشى مخالفة، بل لأنه تعلّم منذ الروضة أن المكان المشترك أمانة.

حينما تُقلّب - سيدي القارئ - القنوات الفضائية وترى الفظائع، فلا تبحث عن عدوٍ بعيد فقط. تذكّر أن بعض أسباب الانحدار تبدأ من تفاصيل نظنّها تافهة. أولئك الذين يقفون أمام كراجات المنازل في رمضان، ثم يرفعون أكفّهم قائلين: اللهم أصلح كل فاسد من أمور المسلمين. قد يكون الفساد الذي يدعون الله عز وجل ان يزيله عنهم هم من يصر على ممارسته. الفظائع لا يصنعها وحشٌ واحد، بل تتراكم من استخفافٍ صغير بالحقّ العام. وحين نبحث عن إنسان يحسن احترام الكراج، فلنبحث عن نموذج المربية ”سين شين هونغ“ — التي تزرع النظام بالمحبة، فتُخرج أجيالًا لا تحتاج إلى دعاءٍ كثير لأنها تعلّمت منذ الصغر كيف تنظف غرفها وتحترم قدسية الكراج.