عزوف البنات عن الزواج أزمة علاقة أم أزمة وعي؟
يتصاعد في السنوات الأخيرة الحديث عن عزوف بعض البنات عن الزواج، وهي ظاهرة لا تُقرأ على السطح بوصفها رفضًا لمفهوم الارتباط، بل بوصفها انعكاسًا لقلق أعمق مما أصبحت تمثّله العلاقة الزوجية في الوعي الاجتماعي. وقد اطّلعتُ مؤخرًا على استبيان أعدّته إحدى القريبات ضمن بحث لمرحلة الدكتوراه حول هذه الظاهرة، وكانت نتائجه صادمة بما يكفي للكشف عن أن الخوف ليس من الزواج ذاته، بل من الشكل الذي يتخذه الزواج حين يتحول من شراكة إلى سلطة، ومن ميثاق إلى مساحة قد تُنتزع فيها صوت الفتاة وكرامتها تحت عناوين اجتماعية متوارثة.
أغلب المشاركات في ذلك الاستبيان لم يقلن إنهن ضد الزواج، بل عبّرن عن قلق من علاقة قد تُفقدهن ذواتهن، أو تعيد إنتاج تجارب رأينها في محيطهن، حيث تختفي المرأة تدريجيًا خلف أعباء يومية وصراعات نفسية لم تكن جزءًا من توقعاتها. ومع توسّع التعليم وارتفاع مستوى الوعي، باتت الفتاة ترى في الزواج قرارًا يحتاج إلى ضمانات واضحة، لا خطوة تُؤخذ بدافع العمر أو ضغط المجتمع. هذا الوعي الجديد ليس تمرّدًا على مؤسسة الزواج، بل محاولة لحماية الذات من علاقة قد تبدأ بالود لكنها لا تستمر على الوعد نفسه.
وتكشف التجارب أن جزءًا من تردد البنات يعود إلى الهوّة الفاصلة بين الخطاب المثالي عن الزواج وبين ممارساته في الواقع. فمرحلة الخطوبة كثيرًا ما تُقدّم صورة محسّنة، ثم تبدأ الطباع الحقيقية بالظهور بعد الزواج. وفي عدد من الحالات، يتسع الفارق بين القول والفعل إلى حد يجعل الفتاة تشعر بأنها دخلت علاقة غير واضحة، أو أنها مطالَبة بالتنازل أكثر مما توقعت. وهذا يعزز لديها قناعة أن الخوف ليس من الزواج، بل من الزواج بلا رؤية وبلا توازن في الأدوار.
وتبرز أيضًا ظاهرة أخرى لا تقل أهمية، وهي أن بعض البنات يصلن إلى سن متقدمة دون أن يجدن شريكًا مناسبًا، ليس لغياب الخاطبين، بل لأن توقعاتهن ارتفعت إلى مستوى يصعب أن يتجسد في شخص واحد. فالصورة المثالية للرجل الذي يجمع بين الوعي الكامل والقدرة المالية والمرونة العاطفية والتديّن المتوازن قد لا تكون واقعية في كل الحالات. ومع ذلك، لا يعني هذا مطالبة الفتاة بالتنازل عن حقوقها أو طموحها، بل محاولة إعادة النظر في المعايير الفعلية للاختيار، بحيث لا يطغى المثال على الممكن، ولا يقود البحث عن الكمال إلى ضياع فرص متوازنة.
ومع كل هذه العوامل، يبقى السؤال الأعمق: هل المشكلة في العلاقة نفسها أم في الوعي بها؟ الواقع يكشف أن كثيرًا من البنات لا يرفضن الزواج، بل يرفضن الدخول في علاقة لا تحترم أحلامهن ولا ترى فيهن شريكات كاملات. كما يكشف أن بعض الرجال ما زالوا يمارسون دورًا تقليديًا لا ينسجم مع تطور وعي المرأة اليوم. وبين النموذجين، تنشأ فجوة تخلق هذا التردد، وتجعل قرار الزواج خطوة لا تُؤخذ إلا بحذر شديد.
إن معالجة هذه الظاهرة لا تتم بانتقادات جاهزة ولا بدعوات عاطفية تُحمّل الفتاة وحدها المسؤولية، بل بإعادة بناء نموذج العلاقة الزوجية من جذوره. فحين يصبح الزواج مساحة للطمأنينة لا للسيطرة، ومشروعًا مشتركًا لا مسرحًا للطرف الأقوى، وحين يدرك الرجل أن احترام شريكة حياته لا ينتقص من رجولته، ويدرك المجتمع أن الزواج لا يكتمل إلا بتوازن الطرفين، عندها فقط يمكن أن تنحسر المخاوف، ويصبح القرار أكثر قربًا من القبول منه إلى التردد.
إن عزوف البنات عن الزواج ليس أزمة تمرد، بل أزمة فهم. إنه سؤال موجّه إلى المجتمع قبل البنات: أيّ صورة للزواج نقدّمها؟ وأيّ علاقة نمارسها؟ فإذا استطعنا تصحيح الصورة، سيجد الزواج طريقه الطبيعي إلى القلوب دون خوف ولا قلق، لأن العلاقة التي تحفظ الإنسان لن يكون الإنسان مضطرًا للهرب منها.
















