آخر تحديث: 23 / 2 / 2026م - 9:03 م

رسالة القرآن التي تتجاوز حدود الزمن

ليست علاقة الإنسان بالقرآن مرتبطة بعمرٍ معين، ولا بمرحلةٍ محددة من الحياة، بل هي علاقة تمتد ما دام القلب قادرًا على التلقي والروح قابلة للنور. ومن أجمل الشواهد على ذلك ما نراه في صورتين متباعدتين في العمر متقاربتين في المعنى: امرأة في الحادية والسبعين من عمرها بدأت رحلة الحفظ فأكملتها خلال أربع سنوات، وطفل في السادسة من عمره حمل القرآن في صدره قبل أن يتعرف إلى كثير من تفاصيل الحياة. هاتان الصورتان تكشفان حقيقة واحدة؛ أن القرآن لا يقاس بالسنين، بل بالصدق والإرادة والتوفيق.

إن قصة الحافظة في هذا العمر المتقدم تحمل دلالات عميقة تتجاوز مجرد الإنجاز الشخصي. فهي رسالة صامتة لكل من ظن أن الوقت قد فات، أو أن القدرة على الحفظ مرتبطة بسن الشباب فقط. لقد بدأت هذه السيدة رحلتها في مرحلة يظن فيها كثيرون أن طاقة التعلم تضعف، لكنها أثبتت أن القلب إذا تعلّق بالقرآن تجدّد، وأن العقل إذا تحرّك بدافع الشوق استعاد قدرته على الحفظ والتركيز. إن ما أنجزته ليس حفظ كلمات فحسب، بل كسر حاجز نفسي يتمثل في الاعتقاد بأن البداية المتأخرة لا تثمر. وهنا تتجلى قيمة الإصرار؛ فالأعوام الأربعة لم تكن مجرد زمن للحفظ، بل كانت زمنًا لإعادة تشكيل العلاقة مع الله، وزمنًا لتذوق القرآن بوعيٍ ناضج وطمأنينة عميقة لا تتوافر غالبًا في بدايات العمر.

وفي المقابل، تقف صورة الطفل الحافظ في السادسة لتجسد براءة الاستقبال وصفاء الفطرة. فالطفل الذي يحمل القرآن في هذا العمر لا يملك الخبرة الواسعة، لكنه يملك قلبًا خاليًا من التعقيد، سريع الحفظ، حاضر التلقي. إن حفظه المبكر لا يمثل فقط قدرة ذهنية مميزة، بل يعكس بيئة تربوية آمنت بأن أفضل ما يُزرع في قلب الطفل هو كلام الله. فالطفولة حين تقترن بالقرآن تنشأ معها معايير السلوك واللغة والوجدان، ويصبح القرآن جزءًا من التكوين الداخلي للطفل قبل أن تتشكل التأثيرات الخارجية في حياته.

وعند التأمل في هاتين الصورتين معًا، يظهر البعد التربوي العميق للقرآن بوصفه رسالة شاملة لكل مراحل العمر. فالمسنّة الحافظة تعلّمنا أن باب القرآن لا يُغلق، وأن العمر لا يقاس بما مضى بل بما بقي من صدق الإرادة. والطفل الحافظ يعلّمنا أن البداية المبكرة تمنح الإنسان رصيدًا روحيًا يرافقه طوال حياته. وبين هذين الطرفين تتجلّى حقيقة أن القرآن ليس مرحلة، بل رفيق حياة يبدأ مع الطفولة ويستمر حتى الشيخوخة.

كما تكشف هذه المقارنة عن اختلاف جماليات العلاقة مع القرآن باختلاف العمر. فحفظ الكبير يحمل معنى التدارك والسكينة والتعويض، وفيه لذة خاصة نابعة من الشعور بأن الإنسان عاد إلى الأصل بعد رحلة طويلة من الانشغال. أما حفظ الصغير فيحمل معنى التأسيس والبناء، حيث ينمو الطفل والقرآن جزء من وعيه ولغته ونظرته إلى العالم. وفي الحالتين يبقى الجوهر واحدًا: قلبٌ اختار القرآن موطنًا له، وعمرٌ وجد في كلام الله حياة جديدة.

ومن الجانب النفسي، تمنح قصة الحافظة في هذا العمر أملًا كبيرًا لمن يظنون أن الحفظ يتطلب قدرات استثنائية أو ذاكرة شابة فقط، إذ تثبت أن الشوق قد يكون أقوى من الذاكرة، وأن الاستمرار يغلب السرعة، وأن البركة قد تعوّض ما يظنه الإنسان ضعفًا. وفي المقابل، تعطي قصة الطفل رسالة للآباء والمربين بأن الاستثمار الحقيقي في الطفولة ليس في المهارات العابرة، بل في زرع القيم التي تبقى، وعلى رأسها القرآن.

إن اجتماع هاتين الصورتين يذكّرنا بأن القرآن لا يسأل عن العمر قبل أن يفتح أبوابه، بل يسأل عن القلب واستعداده. فمن طرق بابه صغيرًا وجد فيه التأسيس، ومن طرقه كبيرًا وجد فيه الطمأنينة، ومن عاش معه في كلتا المرحلتين وجد فيه الحياة كلها. وهكذا يبقى القرآن رسالة تتجاوز حدود الزمن، تواسي المتأخرين وتبشّر المبتدئين، وتؤكد أن الطريق إلى الله يبدأ متى ما قرر القلب أن يبدأ، وأن أجمل الأعمار هو العمر الذي يُقضى مع كتاب الله، سواء بدأ في السادسة أو في الحادية والسبعين.

استشاري طب أطفال وحساسية