شُعراء يرسُمون حدُود الوطَن «1».. الشاعرةُ زهراء الشَّوكان
حدودُ الوطن هي حدودُ الذات والهويِّة والانتماء، فتتسعُ وتضيق من شاعرٍ إلى آخر بحسبِ رؤيته ومقاربته، فأحدُهم يرى بيته الصَّغير وعائلته وطناً كبيراً وممتلئاً، وآخر يرى ذاتهُ لا تنفصل عن قبيلتهِ وجماعته، وثالثٌ يضيف إلى وطنه مناطقَ لم يعرف سِوى اسمها، فيتغنَّى بها ويراها قريبةً من روحه، هذا الاتساعُ والضيق في تحديدِ الوطن قاربه ثلاثةُ شعراء: زهراء الشَّوكان وياسر آل غَريب وعدنان العوَّامي.
الشاعرةُ زهراء الشَّوكان تدرَّجت في الحديثِ عن حدودِ الوطن وجهاتِه، ففي قصيدةِ «طعم السلام» ترى الانتماءَ للأجداد والأصدقاءِ والبحر والحَارة؛ لهذا تعودُ بالذاكرة إلى التاريخِ القديم؛ لعقد صلةٍ بينه وبينَ الحاضر:
"ثراهُ، سماهُ تاريخٌ عريقٌ ** حكايا البحرِ أمجادُ الكرامِ
وأطيافُ الأطايبِ من جدودٍ ** لهمْ ذكرٌ زكيٌّ بالأنامِ
خيال الجدةِ الملأى بفلٍّ ** وريحانٍ تضوَّعَ بابتسامِ
وصبيةِ حارةٍ لعبوا طويلًا ** وضحكاتٍ كأسرابِ الحَمامِ
وكفُّ أبي ترافقني طريقي ** وأمي حبُّها ملحُ الطعامِ
هنا وطني المقيمُ بكلِّ روحي ** هنا ذاقَ الهوى طعمَ السلامِ"
في قصيدةِ «وحي الهوى» تكملُ رسم حدودِ الوطن وجهاته، فالطفولةُ واللعب والحَارة والأصدقاء همُ الانتماء الحقِيقي، أما الأبُ والأمُّ فهم الملجأ والأمانُ والسلام:
"لحارتي لزوايا الطيبينَ وما ** يضوعُ إلا الذي قلبي يؤمّلهُ
ما زلتُ طفلةَ هذي الأرضِ فُلّتَها ** أمدُّ جذري كيما المسكَ أنقلُهُ
ما زلتُ ألعبُ حول النبعِ في أملٍ ** أموسقُ الحلمَ ماءُ العينُ تغسلُهُ
وأستظلُّ بأفنانٍ منعمةٍ ** وأهمسُ الشعرَ والأفيا تظللُهُ
ما زلتُ أعشقُ من أمي الحنانَ إذا ** قلبي تغنجَ جاءتني تدلِّلُهُ
ما زلتُ أهوى محيا والدي وبهِ ** أستشعرُ الأمنَ من عينيهِ يسدلُهُ"
ثم تختتمُ قصِيدتها ب:
"ما زلتُ.. ما زلتُ في أرضي وفي وطني ** كطفلةِ الأمسِ قلبي لا أكبلُهُ
أهوى البلادَ التي طهَ أشاعَ بها ** وحيَ السلامِ فِداها العمرُ أبذلُهُ
أرضٌ محمدُنا المختارُ باركها ** هوى نسائمِها لا شيءَ يعدلُهُ"
الوطنُ في قصيدتها أرضُ الإسلام والقداسةِ والنبوة، وهذا التحديدُ أكَّدته في «قصائِد للحب»، حيث تفتخرُ بوطنها وترسمُ حدوده وجهاتِه:
"أنا بنتُ الثرى المملوءِ قدسًا مُزهرًا، وأرى ضفافَ بلادي الشمّاء حقًّا جنةَ المأوى، تظلّل هامنا مَددًا..
سقاني الزمزمُ الأنقى فروّاني..
ومكةٌ وحيها بالطهرِ أحياني..
وأما يثربٌ مهوى فؤادي طيبها غيثٌ تغشّاني.."
بدأت حدودُ الوطن لدى الشاعرةِ زهراء الشوكان من الذاتِ والطفولة والحَارة، وانتهت عند الأماكنِ المقدسة في مكةَ والمدينة، وهو ارتباطٌ روحي عمِيق، تجمعه أواصرُ العشق للإسلامِ والولاء للترابِ والانتماء للذاكرةِ والمشاعر.

















