لمسة وفاء
يُقال إنّ الفرق بين الاختراع والابتكار هو أنّ الاختراعَ إيجادُ شيءٍ لم يكن موجودًا أصلًا، بينما الابتكارُ هو جعلُ فكرةٍ ما - جديدةٍ كانت أو قديمة - مفيدةً وقابلةً للتطبيق. لذلك كثيرًا ما تُولَد الاختراعات في المختبرات العلمية، في حين يُقاس نجاح الابتكارات في ساحات السوق، فالإنترنت مثلًا كان اختراعًا عسكريًّا علميًّا، أمّا اقتصاد الإنترنت فكان ابتكارًا «أمازونيًّا» و«غوغليًّا» بامتياز.
في هذا السياق أودّ أن أقدّم فكرةً قد تكون جديدة في مجال الوقف والصدقات الجارية، فقد خطرت لي أثناء مواراة والدتي رحمها الله في مثواها الأخير قبل نحو شهر، وأنا أمرّ بصور الراحلين من أبناء عائلتي، عائلة البوصالح، في مقبرة الجش؛ فتولّدت لديّ فكرةُ وقفٍ خيريٍّ يكون صدقةً جارية، يُهدى ثوابُها لوالدَيَّ، ولجميع أموات عائلتي، وللمؤمنين والمؤمنات.
وتقوم الفكرة على إنشاء قناة في تطبيق «تيك توك» يُخصَّص فيها مقطعٌ لكلٍّ من الراحلين من أبناء العائلة، ذكورًا وإناثًا، فأمّا الذكور فيُدرَج في مقطع كلٍّ منهم ما تيسّر من صورهم منذ الطفولة - إن وُجدت - إلى ما قبل رحيلهم، وأمّا الإناث فيُكتفى بصورة شاهد قبر كلٍّ منهنّ، وفي بداية كل شهرٍ هجري يقوم المنسّقون من أبناء العائلة في الأحساء والدمام بإرسال روابط المقاطع الخاصة بالراحلين الذين صادف رحيلهم ذلك الشهر.
وقد بدأتُ بالفعل في تنفيذ هذه الفكرة، وإن كانت الصفحة في صورتها الأولى غير احترافية؛ غير أنّني أؤمن أنّه متى صدقت النوايا بارك الله في العمل، وجعل فيه من الخير والقبول ما لا يخطر على البال.
وهذا هو رابط الصفحة:
https://www.tiktok.com/@lamstwafaaa
ومن باب نشر الخير، ولا سيما ونحن في شهر الخير والبركات، رأيت أن تُعمَّم هذه الفكرة على سائر عوائل المنطقة، لما تنطوي عليه من معانٍ عديدة، منها:
فهي صلةٌ تربط الحيَّ بالميت، لا يتطرّق إليها الجانبُ المصلحي المعتاد في كثير من صور صلة الرحم بين الأحياء.
تتيح خاصيةُ التعليقات في كل منشورٍ مساحةً لتدوين السيرة العطرة للراحل، ومن يدري؟ لعلّ هذه الشذرات تكون نواةً لكتابٍ يُؤلَّف مستقبلًا عن رجالات العائلة ونسائها.
تنتقل ذكرى الراحل من نطاق أسرته المباشرة إلى دائرة أوسع تشمل جميع أبناء العائلة بل ربما تمتدّ إلى الأصدقاء والجيران والمعارف، فتظلّ صورته حيّةً في الذاكرة الجماعية.
تُسهم الفكرة في الخروج من الصورة النمطية التي تحصر فعل الخيرات في بناء مسجدٍ أو حسينية، إلى تفعيل أدوات التواصل الاجتماعي المعاصرة، ونقلها من واقعٍ تافه إلى واقعٍ نافع.
تستهدف الفكرةُ الشبابَ والفتيان، وهم الفئةُ المعوَّل عليها في حمل هذه القيم واستدامتها، فيتربّون على صلة الرحم، وذكر الموت، والدعاء للراحلين، في فضاءٍ رقميٍّ يألفونه ويُحسنون التعامل معه.
فبدل أن تبقى الصور القديمة حبيسة الألبومات، وربما تتعرّض للضياع أو التلف، يُتاح لها أن تُفعَّل في هذا الفضاء الرقمي، ولا سيما إذا رأى أحدُنا من يقاربه في العمر وقد سبقه إلى الدار الآخرة؛ ففي ذلك لونٌ من الوعظ الخفي، يوقظ في النفس الاستعدادَ للدار الدائمة.
تُسهم هذه المبادرة في وصل الجيل الجديد بالجيل السابق، إذ يتعرّف الأبناء والأحفاد على وجوهٍ لم يروها، وسِيَرٍ لم يسمعوا بها، فيتشكل وعيٌ جمعيٌّ بتاريخ العائلة، وتترسّخ جذور الانتماء والهوية بين أفرادها.
وبهذا تتجاوز الفكرة حدود التوثيق الرقمي إلى صناعة ذاكرةٍ حيّة، تحفظ الوجوه والقصص، وتُبقي أثر الراحلين ممتدًّا في القلوب. وما كان لله دام واتّصل، وما كان لغيره انقطع وانفصل.

















