آخر تحديث: 6 / 3 / 2026م - 12:40 ص

من سمات المؤمن التسامح

عبدالحكيم السنان

التسامح سمة المؤمن الذي يحتسب جميع أموره لله، وهي أيضًا سمة الأقوياء الذين يتغاضون عن كثير من الأمور التي تصدر أحيانًا من الناس من دون قصد، أو تعمد، أو إهانة؛ فكم من موقف أو كلمة خرجت من دون قصد وأخذها المتلقي بحساسية، وجعلها في نفسه، وأخذت حيزًا من التفكير السيئ، وصرفت التفكير إلى أبعاد غير عقلانية.

إن التسامح من الأخلاق التي ندب إليها الإسلام، وقد جاء مدحها كثيرًا في النصوص، وأكدت حسنها الكثير من المواقف عن النبي ﷺ والأئمة ، ومن أبرز تلك المواقف موقفه ﷺ مع أهل مكة يوم الفتح حيث قال لهم: «اذهبوا فأنتم الطلقاء».

فالتسامح سجية وخلق يدفعان الإنسان للتجاوز عن إساءات الآخرين، والصفح عن أخطائهم، والتغاضي عنها، وعدم مقابلة الإساءة بمثلها، بل باللين والعفو والتساهل وعدم التشدد والعنف.

فالتسامح هو شعور إيجابي يفيض رحمة وعطفًا وحنانًا.

ومما جاء في مدح هذا الخلق قوله تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ [الشورى: 40].

وأيضًا في قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ [النور: 22]. العفو والصفح من مصاديق التسامح.

التسامح الذي جاء به الدين الإسلامي ومارسه رسول الله ﷺ هو إحدى وسائل ازدهار الحضارة الإسلامية؛ فقد خلق الله الناس مختلفين من حيث العقل والإرادة، وكان سلوك رسول الله ﷺ يؤكد القاعدة التي جاء بها الإسلام ألا وهي التسامح. وأكد الدين الحنيف ضرورة التحلي بمكارم الأخلاق؛ لأن الإنسان ما إن يتحلى بحسن الخلق حتى تجده متسامحًا، إذ عد التسامح من أهم الأسس التي تساعد في بناء المجتمعات الإنسانية، وتعزز العيش المشترك والقدرة على التعايش بين مختلف المكونات المتغايرة، وكذلك إدارة الاختلافات بصورة صحيحة بما يثري المجتمع ويسهم في تقدمه وتطوره وتنميته ورقيه.

التسامح يجب ألا يقتصر على جانب دون آخر، أو فئة دون أخرى، أو مكون دون سائر المكونات، بل يجب أن يعم الجميع، ويتحول إلى ثقافة اجتماعية عامة. والتسامح أنواع: «التسامح الديني، والأخلاقي، والإنساني، والاجتماعي، والفكري، والسياسي».

فالتسامح الديني يمثل نهجًا للتعايش واحترام الاختلاف، مرتكزًا على الحلم، والعفو عند المقدرة، والإحسان للمسيء. يتجسد ذلك في قيم الوسطية، ونبذ التعصب، والتعامل الأخلاقي مع كافة الأطياف، تأسيا بالإمامين علي والحسين «عليهما السلام».

أما التسامح الأخلاقي والاجتماعي فيشمل العفو عن الهفوات، وكظم الغيظ، وتقديم المروءة؛ حيث يعتبر العفو «تاج المكارم» وإقرار الاختلاف، وقبول التنوع، واحترام خصوصيات الأفراد الثقافية والاجتماعية. ومن الأخلاق الاجتماعية أيضًا عدم الاعتبار بصغائر الأمور، فمثلًا: عند القيام بدعوة شخص ما إلى مأدبة ولم يلب الدعوة لعذر ما أو لسبب ما، وبالمقابل عندما يقوم بدعوتي لا ألبي دعوته أو أقوم بزيارته أو لا أعوده في مرضه، لأنه لم يلب لي دعوة فأقابله بالمثل؛ وهذا شائع في مجتمعنا ويسبب خلافات ويترك آثارًا سلبية.

أما التسامح الفكري فيتمثل في مدرسة وسيرة أهل البيت في ثقافة الحوار مع الآخر بغض النظر عن انتمائه، ونبذ الكره، والابتعاد عن لغة الفوقية، واحترام الآخر الذي يتضمن التسامح وقبول الآخر واحترام آرائه، حتى وإن كانت خاطئة من وجهة نظر شخصية، والنظر في وجهات النظر المختلفة.

أما التسامح السياسي فيتمثل في حرية البيعة ورفض الإكراه، والعفو عند المقدرة كقيمة أخلاقية وسياسية، مع التأكيد على العدالة، والرقابة، وحماية حقوق الجميع، وهو ما يظهر في مواقف تاريخية وتوجيهات لأهل البيت التي تدعو لتجنب الانتقام وتعزيز الحلم.

فبالعودة إلى القرآن الكريم والعترة الطاهرة والتمسك بهما وتهذيب النفس والغلبة على أهوائها ونبذ الأنا نصل إلى حب الآخر؛ فمثلما يرجو العبد رحمة ربه وعفوه فلا بد من أن يكون هو متسامحًا مع الآخرين؛ لينال رضاه وعفوه.