ميثاق كربلاء..
على مسار حركة التاريخ كان هدف الرسالات السماوية تحقيق العدالة، وسعى الأنبياء
ومن بعدهم الأئمة
إلى تكريس هذا المفهوم المرتبط بمفهوم العدل الإلهي، الاعتقاد بأن الله سبحانه وتعالى عادل لا يفعل القبيح؛ فالعدالة وما يرتبط بها من كرامة الإنسان وما يتبعها من مصطلحات أخرى كثيرة كانت حاضرة بقوة بكل معانيها في الشرائع السماوية. فالنبي ﷺ جسّد معاني العدالة في مجتمع متناحر، وأكمل المسيرة من بعده عليّ رجل العدالة وإمام التقوى الإمام علي
؛ فلا يُذكر مصطلح العدالة إلا ذُكر الإمام علي
، حيث جسّد هذا المفهوم المهم على أرض الواقع كمنهج عظيم وصادق جسّده بالأفعال وليس بالأقوال. عاش المسلمون في ظل خلافته معاني العدالة، ولا يزال العالم والهيئات الحقوقية تتغنّى وتستفيد من هذا التراث.
وأعظم وثيقة عرفتها البشرية في العدالة الوثيقة الدستورية للإمام علي
في عهده لمالك الأشتر رضوان الله عليه؛ اعترفت بها الأمم المتحدة وترجمتها إلى عدة لغات لما جاء فيها من المبادئ العظيمة وأبعاد إنسانية زاخرة بكل ما تحتاجه البشرية من أجل حياة كريمة ومجتمع فاضل تسوده العدالة. لم يلجأ للاستبداد والتهديد والعنف والترغيب والترهيب في جميع تعاملاته مع مختلف التوجهات والأفكار المخالفة رغم خطرهم ونفاقهم وخداعهم، ومن بعده أخذت العترة الطاهرة أئمة أهل البيت
على عاتقها حمل لواء العدالة وتحمل ثقل الأمانة مهما كلف ذلك.
هذا الإمام الحسين
على أرض الشرف والكرامة يجسد تحمل الأمانة، وهي امتداد حافل لتاريخ مشرق من حياة أهل البيت
. كتب الإمام الحسين
وثيقة العدالة بالدم الطاهر وقربان من ذرية النبي ﷺ وجملة من الأنصار هم خير أهل الأرض في كل الأزمان، أسسوا مشروعًا حضاريًا متكاملًا لمن يطلب العدالة، حيث سُطّرت الخطوط العريضة لمن بعدهم السائرون على خطاهم. فأهل البيت
عملوا جل حياتهم على إقامة العدل في الأرض ورفعوا من شأن الإنسانية، وضحّوا بحياتهم من أجل هذا الهدف السامي.
وثيقة الإمام الحسين
على أرض كربلاء أصبحت مقدسة بفضل الدماء الزكية والأجساد الطاهرة؛ قضية لن تنتهي، إنها نور يضيء سماء الإنسانية لغدٍ أفضل ومستقبلٍ مشرق، لا يحدها مكان ولا يختصرها زمن، قضية مفتوحة إلى آفاق عابرة من أجل حياة أفضل للإنسانية.
مفهوم العدالة عالميًا لدى قوى كبرى تتشدق بحماية العدالة وتكريسها على الواقع المعاش، وهم أول من ينتهكها على المستويات المحلية والدولية. تحمل الإمام الحسين
هذه الرسالة، استلهم ديمومتها من العقيدة الإسلامية ومن معلمه الإمام أمير المؤمنين
، فكان للعدالة مكان تجسدت فيه وهي أرض كربلاء؛ هذه البقعة المقدسة لو أُعطيت حقها لحق لها أن تصبح مزارًا لكل فرد من أفراد العالم على مختلف أديانهم ومذاهبهم وأعراقهم.
ورغم كيد الكائدين وما مرت به من ظلامات تبقى عصية على الانكسار؛ يرتبط اسمها بالقداسة ويقترن اسمها بجملة من الفضائل والمناقب. تستقبل زوارها بمزيج فرح الوصول وطهارة المكان والحزن على ما جرى على هذه الأرض، ساعاتها وأوقاتها من أوقات الرجاء والثواب، وأرضها بقعة من بقاع جنة الله سبحانه على الأرض. الجميع يسأل العودة لهذه البقعة المقدسة، وكلٌّ يسألك الدعاء والزيارة له.
هذا ما فعله الإمام الحسين
في القلوب، لا يمكن وصفه إلا أنه امتداد لجدّه المصطفى ﷺ وأمير المؤمنين علي بن أبي طالب
، حبه علامة للإيمان بالله سبحانه وتعالى والرسول ﷺ، وإنه من نور أبى الله إلا أن يتمه ولو كره المنافقون والمحاربون للمنهج الرباني الصادق. لولا عدالة أمير المؤمنين ومسيرة الإمام الحسين وسائر أئمة أهل البيت
لما بقي للإسلام ذكر ولا للعدالة اسم.
الأيام في حضرة الإمام تمر سريعة، ووداع الإمام الحسين
وكربلاء المقدسة ليس كأي وداع؛ تختلط المشاعر فيها ويختلج فرح الوصول مع الحزن على المصاب، والوداع بالدموع والحسرة وسرعة ذهاب الأيام. أيامها ولياليها وساعتها غير، إنها أجمل الأوقات وأعطر الأيام على أمل أن يمن على الزائر بالعودة.
نسأل الله تعالى بحق هذه البقعة المقدسة والإمام مفترض الطاعة أن لا يحرم الجميع من هذه البقاع المقدسة، وأن يحفظها من كل سوء.












