حمامة الحي لا تُطرب
كثيرًا ما يحدث أن يلمع نجم الإنسان خارج دائرته القريبة، بينما يظل في محيطه المعتاد شخصًا عاديًا لا يلتفت إليه أحد. وكأن القرب يُطفئ بريق التميز، أو يجعل الناس يعتادون ما يرونه حتى يفقد قيمته في أعينهم. لذلك قال الناس قديمًا: حمامة الحي لا تُطرب، في إشارة إلى أن ما نراه كل يوم قد لا يثير إعجابنا، حتى وإن كان يستحق التقدير.
هذه الظاهرة تتكرر في مجتمعاتنا بصورة لافتة. فقد يكون في العائلة أو بين الأصدقاء شاب متميز في عمله، أو صاحب مبادرة اجتماعية نافعة، أو إنسان يملك موهبة في الكتابة أو العلم أو الإدارة. ومع ذلك لا يجد من أقرب الناس إليه ما يكفي من الاهتمام أو التشجيع، بل ربما يقابل بالصمت أو التجاهل، وأحيانًا بالتقليل من شأن ما يقدمه. في المقابل، حين يظهر هذا التميز في دائرة أبعد، نجد من الغرباء من يقدّره ويشيد به ويحتفي بما يفعل.
المشكلة هنا ليست في غياب الموهبة، بل في غياب الالتفات إليها حين تكون قريبة منا. فالقريب غالبًا ما يُحكم عليه بصورة قديمة تشكلت منذ سنوات، فيظل أسير تلك الصورة حتى وإن تغيّر وتطور وحقق إنجازات لافتة. وهناك من اعتاد وجود هذا الشخص في حياته حتى أصبح ما يقدمه أمرًا عاديًا لا يستدعي الإشادة.
وفي بعض الأحيان تلعب المقارنات دورًا خفيًا في هذه المسألة. فنجاح أحد الأقارب أو الأصدقاء قد يُشعر البعض بأن الضوء سيتجه إليه أكثر، فينشأ نوع من التحفظ أو البرود في التعامل مع هذا النجاح. وقد يحدث ذلك دون قصد أو وعي، لكنه يترك أثرًا واضحًا في نفس من يبذل الجهد ويأمل أن يجد كلمة تقدير ممن حوله.
كما أن بعض المجتمعات تميل - دون أن تشعر - إلى تقدير القادم من بعيد أكثر من تقدير من يعيش بينها. فكل ما يأتي من الخارج يبدو مختلفًا ومثيرًا للاهتمام، بينما يُنظر إلى القريب وكأنه جزء من المشهد اليومي الذي اعتدنا عليه.
لكن الحقيقة أن المجتمعات التي تنجح هي تلك التي تعرف كيف تحتفي بأبنائها قبل أن يكتشفهم الآخرون. فالتشجيع الصادق لا يحتاج إلى مبالغة، بل يكفي فيه الاعتراف بالجهد وتقدير المبادرة والوقوف إلى جانب أصحاب المواهب. والكلمة الطيبة قد تبدو بسيطة، لكنها قادرة على أن تصنع فرقًا كبيرًا في نفس الإنسان، وأن تدفعه إلى مزيد من العطاء والعمل.
ولعل أجمل ما يمكن أن يفعله الإنسان في دوائره القريبة أن يكون أول من يرى التميز في أهله وأصدقائه، وأول من يشجعه ويحتفي به. فنجاح القريب ليس منافسة، بل قيمة تضاف إلى الجميع، ومصدر فخر لكل من يحيط به.
وحين نتعلم أن نُقدّر من حولنا، وأن نقول كلمة طيبة في وقتها، سنكتشف أن كثيرًا من المواهب التي كنا نظنها عادية كانت تستحق أن نسمعها ونصغي إليها جيدًا. فربما آن الأوان أن تتغير هذه القاعدة القديمة، فلا تبقى حمامة الحي لا تُطرب، بل تصبح أصوات القريبين أول ما نسمعه بإعجاب، وأول ما نستحق أن نفتخر به.












