آخر تحديث: 14 / 3 / 2026م - 9:35 م

ثلاثة مخاوف… هدف واحد

قراءة في الخشية الرسالية بين النبوّة والإمامة

عماد آل عبيدان

حين يُذكر الخوف يتبادر إلى الذهن معنى التراجع أو الهشاشة والضعف غير أن صفحات التاريخ الرسالي تقدّم تعريفًا مختلفًا تمامًا. هناك خوف ينهض بالأمم ويصون المقدسات ويمنع انحراف المسار قبل وقوعه.

من موسى إلى الإمام الحسين إلى الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف نقرأ ثلاثة مشاهد مختلفة لخشية واحدة في جوهرها لخشية تحمل عبء الدين كله.

هذه القراءة تحاول تفكيك معنى هذا الخوف وفهم أثره في حماية الرسالة عبر العصور.

إذا تأمل المرء معنى الخوف في سيرة الأنبياء والأوصياء يكتشف أنّ بعض المخاوف تنتمي إلى طبقات لا تشبه أي خوف عرفناه في تجارب البشر. هناك خشية تطفئ وهناك خشية تنقذ وهناك خشية تمسك الدين من كتفيه حتى لا يتهاوى تحت جموع الجهال. ومن هنا يتشكّل الفارق بين خوف نبي الله موسى وخوف الإمام الحسين وخوف الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف. فروق تضيء خريطة الوعي الإلهي حين يتدخل في توازن العالم.

موسى لم يهرب من جبروت فرعون طلبًا لنجاة شخصية. فقد تحدّث أمير المؤمنين عن تلك اللحظة بكلمات تشبه ضربات نور على جدار مظلم. موسى لم يوجس رهبة على نفسه وإنما كان يقظًا لشيء أعلى فقد كان يخشى أن يدفن الجهال نور الرسالة وأن تتسلل دول الضياع إلى جسد الدعوة وهي ما تزال غضة. الخوف هنا ليس شعورًا فرديًا يتشبث بسلامة الجسد وإنما حس روحي يراقب المصير العام وكأن نبي الله يضع أذنه على صدر الأمة القادمة ليسمع نبضها قبل أن تولد.

وهذه الخشية لم تكن رعدة بل كانت يقظة كاملة. يقظة تشبه من يجلس في آخر الليل يراقب الباب كي لا يقتحم أحد البيت وهو منشغل بنومه. الأنبياء يحمون وموسى يوم تحرك نحو مدين حمل معه بذرة الدين لا خوف الجسد.

وفي خط الزمن ذاته يقف الإمام الحسين في موقف يحمل نوعًا آخر من الخوف. خرج من المدينة وقلبه يقظ على حرمة الدين ومهابة البيت العتيق. لم يخف على نفسه فقد كان يرى الشهادة قدرًا يتحرك إليه كما يتحرك هو نحوه. كان يخشى أن تُنتهك حدود الله في بقعة الطهر وأن تتحول الكعبة المشرفة قبلة الدنيا وبيت الله إلى مشهد قتال يلوث الشريعة أمام أعين الكون. خوفه شبيه بسهم معلّق بين سقوط مقدس وقيام دين فخرج يحمي كعبة التوحيد من أن تُستباح في صراع أراده أصحابه سلطة لا رسالة فحمى الدين بالخروج منها حفاظًا عليها وجعل خروجه إصلاحًا دينيًا خالدًا.

ومن هذا العمق نفسه ينبثق خوف الإمام المهدي المنتظر عجل الله تعالى فرجه الشريف. وصفه أهل المعرفة بـ ”المهذّب الخائف“. خائف؟ نعم، غير أنّ خوفه من طبيعة أخرى فهي يقظة مستمرة على أمر الدين ووعي دائم بحساسية المرحلة الإلهية الموعودة. خوفه ليس على حياته بما هي حياة فرد، وإنما على اكتمال المشروع الإلهي الذي وُكل إليه. يخشى أن تُجهض مسيرة العدل قبل أن تبلغ تمامها وأن يُستهدف قبل أن يكتمل الوعد. هذا المعنى لا ينفصل عن حفظ الدين فهو عين حفظه لأن بقاء الإمام إلى حين الإذن الإلهي شرط لقيام العدل الموعود.

يقظة تمسك نبض الأمة بإصبعين وتراقب حرارتها الروحية كي لا يبرد الإيمان في العروق. النصوص تخبر أنّ هذا الخوف مرتبط بحفظ الشريعة وحماية الوحي من تلاعب الجهال وصون الطريق من التفاف الضلال عليه. خوف يسبق الحدث ويحرسه من الانهيار فهو الغائب الذي ما غاب عنّا والحاضر في وجدان الأمة.

في حياة الناس اليوم كثير من المخاوف الصغيرة من خوف من ضياع وظيفة وخوف من قسوة دين أو قسط وخوف من مئونة يومية أو خوف من نظرة مجتمع لا يرحم. هذه المخاوف تشتتنا في حين أنّ خوف الأنبياء والأوصياء يجمع العالم كله. كل فرد يخشى على نفسه والإمام يخشى على الدين كله. هذا هو الفارق بين قلب يضطرب لألمه الشخصي وقلب يحمل أوجاع الزمن والعالم بأسره كأنه يمشي فوق جمرة متوقدة لا تنطفئ.

ومع ذلك يبقى خوف الإمام المهدي مصدر طمأنينة وسكينة. خوف مبني على بصيرة وعلى رؤية متصلة بسماء لا تغلق أبوابها. خوف يمنع السقوط ويحمي الطريق ويعيد للعالم اتزانه حين يضيع الناس عن بوصلتهم. القلوب قد تتوه والأزمنة قد تعصف والفتن قد تتكاثر مثل غبار عاصفة إلا أنّ هناك إمامًا ينظر إلى كل ذلك ويقف حارسًا على الدين يراقب ويحنو، ويهيّئ ويعيد رسم الطريق في لحظات العتمة.

وأثر هذه المخاوف الثلاثة في حياة المؤمنين شبيه بيد خفية ترفعهم من حفرة قبل أن يسقطوا فيها. تخاف أنت على رزقك وهم يخشون على نجاة روحك. تذعر من خسارة يوم وخوفهم يتناول مستقبل أمة كاملة. تشعر بثقل الحاجة وهم يشعرون بثقل التكليف. وهذا الفرق يصنع اتساعًا في معنى القيادة الروحية ويجعل المؤمن يدرك أنّ الإمام ليس رمزًا بعيدًا وإنما حضور يقظ في قلب الغيب وفي قلب كل مؤمن.

أجمل ما في هذا النوع من الخوف أنه يحمل وجهًا إنسانيًا حنونًا. الحس المرهف في صدر الإمام يلتقط آهات العالم من دون أن يحتاج الناس أن يبوحوا بها. يسمع ما لم يقال ويفهم ما لم يُكتب ويتنبه لارتجاج الإيمان في القلوب الحساسة قبل أن يسقط منها.

الخوف في سيرتهم موقف وليس انفعالًا ومسئولية وليس ارتباكًا وليس شعورًا يمر هكذا مرورًا عابرا فهو عهد لا ينقطع.

وفي مشهد معاصر يقول بعض الشباب ”نحن لا نعرف أين نقف كل شيء يتغير بسرعة هاتف“. لم يكن الكلام عن فلسفات معقدة إنما اعتراف صادق بارتباك جيل يعيش في عاصفة من المؤثرات. حين تستمع لهذه الكلمات تفهم أن خوف الإمام المهدي ليس غيبًا بعيدًا وإنما يقظة على قلب ضائع يحتاج يدًا تعرف الطريق فتدله عليه وتسدده.

وعندما نضع المخاوف الثلاثة جنبًا إلى جنب يتغير السؤال كله.

موسى لم يخف من فرعون لكنه خاف أن تُطمس الرسالة في عجاج الطغيان.

الحسين لم يخف من الموت وخاف أن تُدنّس الحرمة ويُشوَّه الدين أمام العالم.

والمهدي لا يخاف على ذاته وإنما يخشى أن يتعطل الوعد الإلهي قبل اكتماله وأن يتعوّد الناس على العتمة حتى يظنوها نورًا.

وهؤلاء الثلاثة سلام الله عليهم خافوا…فبقي الدين.

هناك فرق بين من يخاف ليحتمي، ومن يخاف ليحمي.

ولو لم يخافوا لربما كنا اليوم نبحث عن بقايا طريق.