آخر تحديث: 16 / 3 / 2026م - 10:11 م

الملاية فاطمة العيثان… سيرة امرأةٍ خلدها حب الحسين

في سجلّ النساء المؤمنات اللاتي تركن أثرًا لا يبهت مع الأيام، تبرز شخصية الملاية فاطمة عبد الله العيثان بوصفها نموذجًا حيًّا لامرأةٍ صاغت حياتها على ضوء القرآن، وربّت روحها على محبة أهل البيت ، وجعلت من خدمتها للإمام الحسين رسالة عمرٍ كامل، لا موقفًا عابرًا ولا نشاطًا محدودًا بزمن. لقد كانت من أولئك النساء اللاتي لا تُقاس منزلتهن بما يظهر للناس من أعمالهن فحسب، بل بما يفيض من سيرتهن من صدق، وما يخلّفنه من نورٍ في القلوب، وما يزرعنه من أثرٍ في الأجيال.

إن الحديث عن الملاية فاطمة العيثان ليس حديثًا عن امرأةٍ أحبت الحسين فحسب، بل هو حديث عن روحٍ سكنت في رحاب الحسين، ووجدانٍ تشكّل على مصابه، وبيتٍ تربّى في ظلال الولاية، ومجتمعٍ انتفع من علمها ووعظها وصبرها وسيرتها. ومن يقرأ مسيرتها يدرك أن بعض الأرواح لا تعيش الحياة على ظاهرها، بل تنفذ إلى باطنها، فتختار من الدنيا ما يقرّبها إلى الآخرة، وتتعامل مع الأيام باعتبارها زادًا للسفر إلى الله.

وقد ورد عن النبي الأكرم ﷺ: «الشفعاء خمسة: القرآن، والرحم، والأمانة، ونبيكم، وأهل بيته» [1]  وكأن هذا الحديث يجد في سيرة الملاية فاطمة صورةً ناطقة؛ فقد عاشت مع القرآن، ووصلت رحمها، وحفظت الأمانة في التربية والخدمة، وتعلقت برسول الله وآله الأطهار تعلق العاشق الموقن بأن النجاة لا تكون إلا في طريقهم، ولا الهداية إلا بنورهم.

النشأة الأولى… يتمٌ صاغته العناية الإلهية:

وُلدت الملاية فاطمة العيثان في بلدة القارة بالأحساء، في بيئةٍ مؤمنةٍ معروفةٍ بحب أهل البيت ، والولاء الصادق لهم، والاحتفاء بذكرهم ومجالسهم. غير أن طفولتها بدأت بابتلاء مبكر، إذ فقدت والدها وهي في عمرٍ صغير جدًا، حيث تيتمت وهي في حدود السنة والنصف من عمرها. غير أن هذا اليتم لم يكن بداية انكسار، بل كان بداية عنايةٍ خاصة أحاطتها بالتربية والرعاية، حيث تولت جدتها لأمها حجية محمد العيثان رعايتها والاهتمام بها، فنشأت في أحضان امرأةٍ مؤمنة غرست فيها من باكورة عمرها جذور الصلاح والالتزام.

وفي مثل هذه البيئات تتشكل النفوس العميقة مبكرًا؛ إذ لا تنشأ الطفلة على اللهو العابر، بل على معاني الوقار، وعلى سماع القرآن، وعلى الإصغاء لذكر النبي وآله، وعلى التلقي المبكر لقيم الحياء والطهارة والخشوع. ومن هنا يمكن فهم كيف تكوّنت شخصية الملاية فاطمة على نحوٍ مبكر، وكيف أصبح الإيمان عندها ليس زينةً اجتماعية، بل نسيجًا داخليًا امتزج بفكرها وعاطفتها وسلوكها.

من بيت المأتم إلى منبر الخدمة:

كان لوالدتها تاجة بنت الشيخ حسن العيثان أثرٌ بارز في توجيهها إلى القراءة الحسينية، إذ كانت صاحبة مأتم حسيني، فشبّت الملاية فاطمة في أجواء المجالس، تسمع النعي، وتخالط المعاني، وتتنفس الأدب الحسيني، حتى صارت تلك البيئة كأنها المدرسة الأولى التي صاغت وجدانها.

فلم يكن دخولها إلى ميدان القراءة الحسينية أمرًا متأخرًا أو طارئًا، بل كان امتدادًا طبيعيًا لما تشربته منذ الصغر. تعلمت كيف تكون الكلمة رسالة، وكيف يكون الصوت طريقًا إلى إحياء القلوب، وكيف تتحول المجالس إلى مواسم لإيقاظ الضمير، وتربية النساء، وغرس الحب الصادق لأهل البيت .

ولذلك لم تكن الملاية فاطمة قارئةً تؤدي نصوصًا فحسب، بل كانت صاحبة وجدانٍ حسيني، تقرأ من قلبها قبل لسانها، وتعيش ما تنعاه، وتذوب في المعنى الذي تردده. ومن هنا كان تأثيرها في النساء عميقًا، لأن الكلمة إذا خرجت من قلبٍ محترقٍ بالولاء، وقعت في القلوب موقعًا لا تصنعه البلاغة وحدها.

القرآن الكريم… الرفيق الذي لم يفارقها:

كان القرآن الكريم أحد أعظم المحاور في حياتها، لا من جهة التلاوة المجردة فقط، بل من جهة المعاشرة الروحية الدائمة. فقد أتقنت قراءته وختمته على أيدي معلماتٍ فاضلات، ومن بينهن الملاية فاطمة الشبعان رحمها الله، ثم واصلت بعد ذلك صلتها الوثيقة بالقرآن حتى صار جزءًا من يومها وليلها، ورفيقًا لأنفاسها، وأنيسًا لخلوتها، ونورًا يوجّهها في مختلف مراحل حياتها.

لقد كان القرآن عندها كتابَ تربيةٍ قبل أن يكون كتاب تلاوة، ومنهجَ تزكيةٍ قبل أن يكون حروفًا تتردد. كانت تقرؤه في بيتها، وفي أسفارها، وفي الحرم الحسيني، وبخاصة في شهر رمضان، حيث تزداد الأرواح شفافيةً، وتقترب النفوس من أبواب الرحمة. ولم تكن قراءتها للقرآن قراءة عادة، بل قراءة من يبحث عن الصحبة النورية مع كلام الله، وعن صفاء القلب في ظل آياته.

ومن الطبيعي أن ينعكس هذا الارتباط على شخصيتها؛ فالقلب الذي يسكنه القرآن يكتسب رقةً، واللسان الذي يكثر من تلاوته يلين، والروح التي تتغذى بآياته تصير أكثر بصيرةً وطمأنينةً وصدقًا. وهكذا عُرفت الملاية فاطمة بصفاء السجية، وهدوء النفس، ورقة القلب، وشدة التأثر بذكر الله.

امرأةٌ ذات بصيرة وفطنة:

لم تكن الملاية فاطمة العيثان امرأةً صالحةً بالمعنى التعبدي فحسب، بل كانت كذلك امرأة ذات بصيرة، مشهودًا لها بالفطنة وقوة الملاحظة ونفاذ الرؤية. وهذه سمةٌ كثيرًا ما تظهر في الشخصيات التي جمعت بين العبادة والتأمل والتجربة الطويلة في الحياة؛ إذ تصبح النظرة عندها أعمق من السطح، ويغدو الحكم على الأمور أقرب إلى الحكمة من الاندفاع.

وقد تجلّت هذه البصيرة في تربيتها، وفي طريقة تعاطيها مع الناس، وفي فهمها للقضية الحسينية لا باعتبارها مجرد موسم بكاء، بل باعتبارها مشروعًا لتربية النفس والبيت والمجتمع. كانت تفهم أن الحسين ليس ذكرى عاطفية فحسب، بل مدرسة للوفاء والتضحية والوعي والثبات، ولهذا سعت إلى أن يتحول حب الحسين في بيتها إلى سلوك، لا إلى شعار.

عشق الحسين… من العاطفة إلى المنهج:

كان الإمام الحسين هو الحضور الأكبر في حياتها، حتى يمكن القول إن روحها قد تشكلت على هذا الحب، وإن وجدانها العميق كان مرتبطًا بمصاب كربلاء ارتباطًا وجوديًا. فلم تكن علاقتها بالحسين محصورة في حضور مجلس، أو نعيٍ تتلوه، أو بكاءٍ يفيض ساعة الذكر، بل كانت حالة دائمة تستصحبها في أيامها كلها، في شهر رمضان كما في محرم، وفي بيتها كما في سفرها، وفي شؤونها الخاصة كما في دورها الاجتماعي.

كانت لا تجلس إلا على مائدة الفكر الحسيني والسيرة الحسينية، وكأنها كانت ترى أن الوجدان إذا لم يتغذَّ بهذا المعنى ذبل، وأن النفس إذا لم تتصل بهذه المدرسة فقدت شيئًا من صفائها. لقد سمعت في أعماق قلبها صوت الناعي، فأخذت على نفسها عهد الوفاء لشهيد كربلاء، وعاشت هذا العهد عقودًا من الزمن.

وكان تأثرها بمصاب الحسين عميقًا إلى حد أن من عرفها شهد لها بكثرة البكاء، وبرقة القلب، وبالاحتراق الداخلي على مصائب آل بيت رسول الله ﷺ. وهذا اللون من الحزن ليس ضعفًا، بل هو مظهر من مظاهر حياة القلب، لأن القلوب التي تحزن على أولياء الله إنما تفصح عن عمق صلتها بهم، وعن استعدادها لأن تُصاغ على نهجهم.

في خدمة المأتم الحسيني… تواضع العاشقين:

من أجمل ما يُذكر في سيرتها أنها لم تكن ترى خدمة الحسين في المنبر وحده، بل في كل تفصيلٍ من تفاصيل المأتم. كانت تشارك في إعداد الطعام، وفي إكرام الحضور، وفي تهيئة المجلس، وتضع السواد بيديها في أيام الحزن، وتباشر بيدها ما يمكن أن يراه بعض الناس أمرًا بسيطًا أو متواضعًا، لكنها كانت تراه شرفًا عظيمًا ما دام متعلقًا بضيافة الحسين.

فكانت تصب الماء لغسل أيدي أهل المأتم قبل تناول الضيافة وبعدها، وتشارك في غسل أواني العزاء قبل زمن المغاسل الحديثة، وتؤدي ذلك كلَّه بروح الخادمة المخلصة، لا بروح المتفضلة. وهذا من أجمل ما في شخصيتها: أن علو مقامها بين الناس لم يحجب عنها جمال التواضع، وأن منزلتها في المجتمع لم تمنعها من أن ترى نفسها خادمةً في طريق أهل البيت .

إن النفوس الكبيرة لا تصغر بالخدمة، بل تكبر بها. والملاية فاطمة كانت من هذا الطراز الذي يرى أن شرف الإنسان في أن يكون له سهمٌ صادق في إحياء ذكر الحسين، ولو كان ذلك في أواني الضيافة، أو ترتيب المجلس، أو إكرام المعزين.

العبادة… أسلوب حياة لا موسم عابر:

عُرفت الملاية فاطمة العيثان بكثرة العبادة، والمحافظة على الفرائض، والعناية الكبيرة بالمستحبات، من صلاة النوافل، وقراءة الأدعية، والزيارات المخصوصة للمعصومين . ولم تكن العبادة عندها فصلًا منفصلًا عن الحياة، بل كانت نسقًا دائمًا ينظم اليوم والليلة، ويضبط السلوك، ويهذب النفس.

وقد ورد في بعض ما نُقل عنها أنها كانت تكثر الصيام، وتولي لشهري رجب وشعبان عنايةً خاصة، بل تبدأ من جمادى بالتهيؤ الروحي، وكأنها تعيش مواسم الطاعة استباقًا وشوقًا لا مجرد التزامٍ حين يحين أوانها. وكانت تحب الأدعية والمناجاة، وتأنس بمجالس الذكر، وتستمع إلى ما يفتح للقلب أبواب الخشوع والانكسار بين يدي الله.

وكانت محاسبة النفس عندها حاضرةً بقوة؛ فكانت تنفر من مجالس الغيبة واللهو والحديث بالباطل، وتراقب نفسها مراقبة من يريد أن يلقى الله بقلبٍ سليم. وهذه المجاهدة الداخلية هي التي منحت سيرتها ذلك الإشراق، لأن الظاهر الجميل إن لم يسانده جهادٌ باطني لا يثبت طويلًا.

كثرة الزيارة… وجوارٌ تطلبه الروح:

من السمات البارزة في حياتها تعلقها العميق بالمشاهد المقدسة. فقد حجّت بيت الله الحرام مرات عديدة، قيل إنها بلغت تسعًا أو عشرًا، وكان لها شوق ظاهر إلى الزيارة والتنقل بين الأماكن المباركة. لكنها وجدت في النجف وكربلاء شيئًا خاصًا يوافق روحها، فكانت كثيرة التردد عليهما، وتمكث فيهما فترات طويلة، بل شهورًا أحيانًا.

ولم تكن هذه الزيارات مجرد تنقل جسدي، بل كانت رحلاتٍ روحية تعيش فيها أجواء الذكر والمناجاة والسكينة. كانت ترى في الحرم الحسيني، وفي جوار أمير المؤمنين ، بيئةً تتجرد فيها النفس من ثقل الدنيا، وتقترب فيها من معاني الطهر والوفاء.

ومن هنا جاء حرصها على شراء بيتٍ في النجف الأشرف قرب مرقد الإمام علي . لقد كان ذلك تعبيرًا صريحًا عن شوقٍ قديم، وعن هدفٍ روحي ظل يرافقها: أن تنال حظًا من السكنى الجسدية والروحية بجوار وليّ الله أمير المؤمنين . وكانت تقرأ القرآن في ذلك البيت، كما تقرؤه في الحرم الحسيني، وكأنها تجمع بين المكان المبارك والكلام المبارك طلبًا لصفاءٍ أعمق وصحبةٍ أنور.

ومن المواقف الدالة على سمو روحها أنها لم تجعل هذا البيت مظهرًا لامتلاكٍ شخصي، بل أسكنت فيه أحد أبناء سادة الحكيم، في لفتة تحمل معاني التقدير لأهل العلم والفضل، وتكشف عن سعة قلبها وحرصها على البر والإحسان.

المرأة المربية… بناء الإنسان قبل كل شيء:

إلى جانب عبادتها وخدمتها الحسينية، كانت الملاية فاطمة امرأة تربية بكل ما تحمله الكلمة من معنى. لم تنحصر رسالتها في المنبر والمجلس، بل امتدت إلى بيتها وأبنائها وبناتها وأحفادها، بل إلى المجتمع من حولها. وقد تميزت تربيتها بالتوازن الجميل بين الرسوخ الديني والوعي بمتطلبات العصر؛ فلم تربِّ أبناءها على التدين المنعزل، ولا على الانفتاح المنفلت، بل على الجمع بين الإيمان الراسخ والتحصيل العلمي النافع.

ولهذا نشأ أبناؤها على حب القرآن وولاية أهل البيت ، مع الاهتمام بالعلم والدراسة، حتى كان منهم الطبيب، ومنهم أصحاب الشهادات الجامعية. ومن أبنائها الدكتور علي محمد العيثان أول استشاري طب عناية مركزة للأطفال بمحافظة الأحساء ضمن نطاق وزارة الصحة الذي أنقذ حياة مئات الأطفال، وتخرج على يديه مئات من الأطباء في اختصاص طب الأطفال. لقد كانت تدرك أن التربية الناجحة ليست في حفظ الأبناء من الانحراف فقط، بل في بناء شخصياتهم على أسس من الوعي والخلق والطموح والالتزام.

وكانت أيضًا تهتم بالأعمار الصغيرة خارج نطاق أسرتها، فتجتمع في عطلة كل أسبوع مع الناشئة، من الصف الثالث الابتدائي إلى الثالث المتوسط، وتحاورهم بروحها العالية وذوقها الديني في موضوعات تربوية وإيمانية. وهذا عمل يكشف عن فهمها العميق لخطورة المرحلة المبكرة في تشكيل الوجدان، وعن إدراكها أن بناء الأجيال يبدأ بالكلمة الرقيقة، والصحبة الحسنة، والقدوة العملية.

كما كانت تعقد في بيتها مجالس لأبنائها وأحفادها، ولا سيما في يوم العاشر من المحرم، لتغرس في أرواحهم حب أهل القربى، والاقتداء العملي بسيرتهم، وتربط المناسبة بالشعور والمسؤولية معًا. فهي لم تكن تريد لأطفال أسرتها أن يعرفوا كربلاء بوصفها قصة موروثة، بل بوصفها مصدرًا للهوية الإيمانية والأخلاقية.

رعاية الأيتام وخدمة المجتمع:

ومن الجوانب المضيئة في حياتها ما نُقل عن اهتمامها بكفالة وتربية أيتام آل محمد في المجالس الحسينية، وما عُرف عنها من الحنو الاجتماعي والعطاء المعنوي والمادي. لقد كانت ترى أن الولاء لأهل البيت لا يكتمل ما لم يتحول إلى رحمةٍ بعباد الله، ومواساةٍ للضعفاء، ورعايةٍ لذوي الحاجة.

وكان أثرها الاجتماعي يتجاوز دائرة الأسرة إلى مجتمعها في القارة، بل إلى من عرفها في مواسم الزيارة في العراق، حتى حزن عليها جيرانها هناك وتألموا لفقدها لما وجدوه منها من طيب المعشر، وسعة العطاء، ولين الجانب، والروح المشرقة.

شاعرةٌ وناعية وكاتبة سيرة:

لم تكن الملاية فاطمة خادمةً للمجلس الحسيني بصوتها فقط، بل كانت أيضًا صاحبة قلم وموهبة أدبية. فقد كتبت قصائد شعبية، ولها نظم في أهل البيت ، كما كان لها حضور في فن النعي الحسيني، وتشجيع الأخوات على القراءة والخدمة.

كما اهتمت بجمع وكتابة سيرة أهل البيت ، وكتبت في تأبين بعض المراجع الكبار مثل السيد الخوئي والشيخ الكلبايكاني وغيرهما، وأقامت لهم أيام عزاء تستذكر فيها سيرهم وعطاءهم. وهذه الناحية تكشف عن أن وعيها لم يكن وعظيًا عابرًا، بل كان وعيًا تاريخيًا وثقافيًا يسعى إلى حفظ الذاكرة الإيمانية للأمة.

كما أن لها كتاب ردادي لم يُطبع، وإنها كتبت قصائد في بعض العلماء البارزين، مما يدل على غزارة عطائها وتنوع وسائل خدمتها. فهي لم تكن امرأة منحصرة في قالب واحد، بل كانت قارئة، ومربية، وخادمة مجلس، وشاعرة، وصاحبة مبادرة اجتماعية وروحية.

زينب … المثال الذي شدّ روحها:

ومن الملامح الوجدانية العالية في سيرتها تعلقها الشديد بالعقيلة زينب . لقد جذبتها وفاؤها لأخيها الحسين، وقوة حضورها بعد الفاجعة، ورباطة جأشها في طريق الرسالة، فكأن الملاية فاطمة وجدت في شخصية زينب مرآةً للطريق الذي تريد أن تسير فيه: طريق المرأة المؤمنة التي تحمل الحزن، لكنها لا تنكسر؛ وتعيش الوفاء، لكنها لا تنطفئ؛ وتخدم الرسالة، لكنها تبقى متواضعة صابرة ثابتة.

ولذلك فإن عشقها للحسين لم يكن منفصلًا عن عشقها لزينب، لأن مدرسة كربلاء في وعيها لم تكن بطولةً رجالية فقط، بل كانت أيضًا بطولة المرأة المؤمنة التي تصون الذاكرة، وتحرس الرسالة، وتربي الأجيال على معنى الصبر والوفاء.

الرحيل في الليلة المباركة… خاتمة تشبه الحياة:

من أعجب ما في سيرتها، وأشدّه أثرًا في النفوس، خاتمة رحلتها. ففي ليلة السابع والعشرين من شهر رمضان المبارك، وهي ليلة ذات طابع عبادي وروحي خاص، دخلت الحرم الحسيني الشريف في كربلاء، وعاشت لذة المناجاة والدعاء، وزارت الإمام الحسين وأهل بيته، وأحيت الليل بالصلاة وتلاوة القرآن وما تيسر من الأعمال.

وقد رُوي أن الإمام زين العابدين كان يقول في هذه الليلة:

«اللَّهُمَّ ارزُقني التَّجافي عن دار الغرور، والإنابة إلى دار الخلود، والاستعداد للموت قبل حلول الفوت». [2] 

وكأن حياتها كلها كانت شرحًا لهذا الدعاء، ثم جاءت نهايتها ترجمةً صادقةً له؛ فقد خرجت من الحرم بعد ساعات من العبادة، ثم عادت إلى مقر سكنها، وبعد وقتٍ يسير فاضت روحها إلى بارئها، بعد أن قضت آخر زياراتها في جوار سيد الشهداء .

إنها خاتمةٌ تثير التأمل: امرأة قضت عمرها في عشق الحسين، وخدمة مجالسه، والشدّ إلى زيارته، فتكون نهاية رحلتها في كربلاء، في ليلة مباركة من ليالي رمضان، بعد زيارةٍ ومناجاة. وكأن الله تعالى أراد أن يختم لها بما أحبت، وأن يجعل آخر مشاهد الدنيا في عينيها مشهد القرب من الحسين.

النجف… الجوار الذي طالما اشتاقت إليه:

بعد وفاتها شُيّع جثمانها، وصُلّي عليها في الحرم الحسيني الشريف بإمامة العلامة السيد هاشم محمد السلمان، ثم نُقل جثمانها إلى النجف الأشرف، حيث دفنت في مقبرة آل الحكيم قرب مرقد أمير المؤمنين ، على بعد خطوات من الضريح الشريف. وهنا اكتملت الصورة التي سعت إليها طويلًا: أن تكون في الدنيا كثيرة الجوار والزيارة، وفي الآخرة مجاورةً لمن أحبّت.

إن دفنها في النجف لم يكن مجرد تفصيلٍ جغرافي في سيرتها، بل كان تتويجًا رمزيًا وروحيًا لحياة ملؤها الحنين إلى أمير المؤمنين ، والسعي إلى السكن في جواره، والأنس بذكره ومشهده. لقد أرادت السكنى الجسدية والروحية في جوار المعصوم، فنالتها في آخر المطاف، وكأن القبر نفسه صار شاهدًا على صدق ذلك العشق القديم.

سيرةٌ تتجاوز حدود الزمان:

إن الملاية فاطمة العيثان ليست اسمًا في ذاكرة أهل بلدتها فقط، بل هي نموذج يمكن أن تستضيء به النساء المؤمنات، بل كل من يريد أن يفهم كيف يتحول الإيمان إلى حياة. لقد جمعت بين العبادة والعمل، وبين الحب والخدمة، وبين الحزن الحسيني والتربية الواعية، وبين التواضع والسمو، وبين البيت والمجتمع، وبين النصيحة والقدوة.

ولعل سر تأثيرها أنها لم تكن تتكلم عن المعاني الكبيرة من خارجها، بل كانت تعيشها. فمن أراد أن يرى التعلق بالقرآن رأى ذلك في يومها، ومن أراد أن يرى الوفاء للحسين رأى ذلك في خدمتها، ومن أراد أن يرى التربية الصالحة رأى ثمرتها في أبنائها وأحفادها، ومن أراد أن يرى الزهد الصحيح رأى ذلك في تعاملها مع الدنيا، ومن أراد أن يرى محبة أهل البيت مجسدةً في امرأة من هذا المجتمع، وجد في سيرتها شاهدًا واضحًا.

لقد كانت من النساء اللاتي إذا ذُكرن رقّ القلب، وإذا استُعيدت سيرتهن شعر المرء أن الصلاح ليس خيالًا بعيدًا، بل طريقٌ ممكن تسلكه الأرواح الصادقة. وكانت من أولئك الذين يعلّمون الناس بصمتهم كما يعلّمونهم بكلماتهم، ويتركون في الذاكرة أثرًا لا يمحوه رحيل الجسد.

خاتمة الوفاء والدعاء:

رحم الله الملاية فاطمة عبد الله العيثان رحمة الأبرار، وأعلى درجتها في عليين، وحشرها مع محمد وآله الطاهرين، وجعل قبرها روضةً من رياض الجنة، وأنزل عليها من رحماته وأنواره ما يليق بروحٍ عاشت في الطاعة، وذابت في حب الحسين، وسعت إلى الله بقلبٍ مخلص.

ونسأل الله أن يجعل سيرتها المباركة نبراسًا للأجيال، وأن يرزق نساءنا وبناتنا من نورها، ومن همتها، ومن صفائها، ومن صدق ولائها. كما نسأله تعالى أن يحفظ ذريتها، ويبارك في محبيها، وأن يرزق الجميع حسن الاقتداء بمنهجها في العبادة والتربية وخدمة أهل البيت .

[1]  المناقب، لابن شهر آشوب 2:14، بخار الأنوار للمجلسي 8:43، مستدرك سفينة البحار 6:7

[2]  إقبال الأعمال للسيد ابن طاووس ص 523
استشاري طب أطفال وحساسية