آخر تحديث: 16 / 3 / 2026م - 10:11 م

الحاج أبو زكي… حين يتكلم الدعاء

رضي منصور العسيف *

شهرُ رمضان ليس شهرًا عابرًا في حياة المؤمنين؛ إنه موسمٌ تتعانق فيه الأرواح مع السماء، وشهرٌ يتجاور فيه القرآن والدعاء كأنهما توأمان يسيران معًا في طريق القلب. فالقرآن نورٌ يوقظ البصائر، والدعاء صوتُ الروح حين تشتاق إلى ربها.

وفي هذا الشهر الكريم نشعر جميعًا بانجذابٍ خفيّ نحوهما؛ الأطفال، والشيوخ، والنساء… كلٌّ يجد لنفسه مكانًا في مجالس التلاوة ومجالس المناجاة. مجالسُ يعلو فيها صوت القرآن، وتلين فيها القلوب مع الدعاء، فتسكن النفوس كأنها وجدت طريقها إلى الطمأنينة.

وفي كل عام، حين نفتح مجلسنا لتلاوة القرآن، يأتي رجلٌ عزيزٌ على القلوب، عرفته المنطقة بروحه الطيبة وخلقه الحسن. إنه الحاج أحمد الموسى… لكن الجميع يناديه بمحبة: أبو زكي. كان يحضر المجلس بهدوءٍ جميل، يجلس منصتًا لتلاوة القرآن، وكأن قلبه يسافر مع كل آية، يتنقل بين معاني الرحمة والوعد والرجاء.

وحين ينتهي المجلس، وبعد قراءة دعاء الافتتاح، تأتي اللحظة التي ينتظرها الحاضرون… دور أبي زكي لقراءة دعاء الفرج. يمسك كتاب الدعاء بيديه بهدوء، ويبدأ القراءة بعفويته الصادقة. ليست قراءةً متكلّفة، ولا صوتًا يبحث عن جمال النغمة، بل دعاءٌ يخرج من قلبٍ خبر الحياة، فعرف أن الطريق إلى الطمأنينة يمر عبر ذكر الله.

كان يجلس في هدوءٍ مهيب، كأن الزمن يتباطأ احترامًا لتلك اللحظة الروحية. عيناه تتبعان الكلمات بتركيزٍ عميق، وكأن كل عبارة تمر عبر قلبه قبل أن تخرج صوتًا إلى الحاضرين. وصوته الهادئ المطمئن يحمل بين حروفه خشوع السنين وتجربة العمر.

وحين ينتهي من الدعاء ترتفع الأصوات في المجلس بالصلاة على محمدٍ وآل محمد، ويقول الحاضرون بمحبة: ”أثابك الله يا أبا زكي.“ فيبتسم ابتسامة رضا، كأن قلبه يقول في سرّه: لقد أتممت هذا العمل كما ينبغي.

اقتربتُ منه ذات ليلة وسألته بلطف: يا أبا زكي، كيف تعلمت قراءة الدعاء؟ وهل تحفظ أدعيةً أخرى؟ هل تعلمت ذلك من كثرة الاستماع، أم أنك كنت تجيد القراءة منذ الصغر؟

نظر إليّ بنبرةٍ امتزج فيها الرضا بشيءٍ من الحنين، وقال: لقد درست في المدارس الليلية… وكنت يومًا في الصف الرابع الابتدائي، لكنني لم أكمل دراستي. انقطعت عنها مبكرًا، وذهبت أعمل لأعيل نفسي.

ثم سألته: وهل تحفظ سورًا من القرآن أو أدعية أخرى؟

أجاب بهدوء: كنت أحفظ بعض السور القصار من القرآن، وكذلك بعض الأدعية… لكن الذاكرة بدأت تخونني. ثم ابتسم ابتسامةً هادئة وقال: هكذا هي الحياة… من قوةٍ إلى ضعف، حتى الذاكرة تسير في هذا الطريق.

قلت له مطمئنًا: يكفي أنك معنا يا أبا زكي، وتشاركنا هذا الدعاء.

فأجاب بكلمات خرجت من قلبٍ راضٍ: الحمد لله على هذه النعمة… ونسأل الله القبول.

ثم ابتسم أبو زكي ابتسامة رضا، وكأن قلبه امتلأ سكينةً بعد هذا الدعاء. لم تكن سعادته في ثناء الحاضرين، بل في شعوره أنه ما زال يشارك في مجلسٍ يُذكر فيه الله.

خرج من المجلس هادئًا، وقلبه مفعم بالطمأنينة… فسعادة المؤمن أحيانًا تكمن في دعاءٍ يقرؤه بصدق، وقلبٍ يشعر بالقبول.



كاتب وأخصائي تغذية- القطيف