المأزق الطائفي واختطاف الأوطان
تقف منطقتنا اليوم أمام منعطف تاريخي حاد، تتجاوز فيه لغة المدافع حدود الاشتباك التقليدي، لتلامس أسس الاستقرار المجتمعي ومفهوم الدولة الوطنية الحديثة. فالحرب القائمة حالياً بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، تفرض علينا قراءة سوسيولوجية وسياسية واعية، تتجاوز السطح العاطفي إلى العمق الجيوسياسي. إن هذه المعركة، في جوهرها وبكل تجلياتها، هي حرب استراتيجية، وليست حرباً على التشيع أو تسوية لحسابات مذهبية. ولعل أوضح دليل على ذلك هو إعلان القيادة الإسرائيلية ذاتها، وعلى لسان بنيامين نتنياهو، استهدافها لما تراه تطرفاً بشقيه الشيعي والسني على حد سواء، مما يؤكد أن المحرك الأساسي هو المصلحة والنفوذ لا العقيدة.
وفي هذا السياق، تبرز ضرورة التمييز الدقيق بين الموقف المبدئي والموقف السياسي البرغماتي. إن إدانة الهجوم على إيران بوصفها دولة ذات سيادة، تماماً كما هو الحال في الرفض المبدئي لما تعرضت له فنزويلا في شهر يناير «كانون الثاني» الماضي من انتهاك لسيادتها، لا تعني بأي حال من الأحوال القبول بسياسات التدخل الإيراني في دول الجوار. فمبدأ السيادة لا يتجزأ، وما نرفضه لدول الإقليم نرفضه بشكل قاطع ومضاعف إذا كان التهديد أو التدخل يمس أوطاننا بشكل مباشر.
إن التحدي الأكبر الذي تفرزه هذه الأزمات الإقليمية هو خطر ارتداد المجتمعات إلى ولاءاتها الفرعية على حساب الكيان الوطني الشامل. وهنا تبرز حصرية السيادة ومؤسسات الدولة بوصفها الضامن الوحيد للاستقرار. إن قرار السلم والحرب، والتعامل مع التهديدات الخارجية، هو حق سيادي وحصري للدولة ومؤسساتها الرسمية وحدها. وما نراه اليوم من مشاهد التحشيد في العراق، والمظاهرات التي تخللها هجوم على السفارة الأميركية في بغداد، وإعلان البيعة للولي الفقيه، هي أمور تتناقض مع جوهر فكرة الدولة وتضر بالمصلحة العراقية العليا أكثر مما تنفع الإيرانيين أنفسهم. فالعراق، الذي تمثل النخبة السياسية ذات الخلفية الشيعية أغلبية فاعلة في مؤسساته الحاكمة، ليس موقعاً على اتفاقية دفاع مشترك مع طهران حتى تُلام نخبه الحاكمة على موقفها العقلاني. وفي السياق ذاته، فإن بعض المقاطع المصورة التي ظهرت من مملكة البحرين، والتي تصور احتفالات البعض بهجمات إيرانية على بعض المنشآت، تنم عن غياب مقلق للوعي بحجم الخطر الاستراتيجي المحدق بالبلاد وبالمنطقة بأسرها.
إلا أن هذه السلوكيات الفردية أو الفئوية المرفوضة، يجب ألا تبرر بأي شكل من الأشكال الانزلاق الخطير نحو مستنقع التخوين الداخلي الذي يقدم خدمة مجانية لمشعلي الفتن ويعزز فكرة الانعزالية التي يسعى لها أعداء الدولة. يجب أن ندرك أنه ليس لمواطن حق في أن يمارس سلطة أو وصاية على مواطن آخر؛ فالجميع يقفون على مسافة واحدة تحت سلطة الدولة، التي تتعامل مع مواطنيها بوصفهم أفراداً متساوين، وليس كأعضاء في جماعات فرعية أو طوائف. وعليه، فإن مطالبة أي مكون مجتمعي بإصدار بيانات براءة أو إعلان موقف سياسي محدد، هي تشكيك مسبق في ولائهم وانتمائهم لأوطانهم، وهو أمر يتنافى جذرياً مع مبادئ الوحدة الوطنية، ويتنكر لإرث تاريخي طويل من التعايش السلمي الذي كان دوماً عامل إثراء اجتماعي.
وفي خضم هذه التجاذبات المفتعلة، لا بد من التحذير من دور الجيوش الإلكترونية والحسابات الوهمية التي تسعى لتضخيم خطاب الكراهية. وفي هذا الصدد، تجب الإشادة بالضبط الإعلامي للمشهد السعودي، الذي أثبت تقدماً ورصانة ملحوظة، متفوقاً على الكثير من جيرانه في سد منافذ الفتنة وإدارة المشهد بوعي وطني عالٍ.
ختاماً، تقع على عاتق النخب الثقافية والدينية مسؤولية جسيمة في تقديم خطاب وطني جامع يرفض استغلال الدين أو المذهب لتمرير أجندات سياسية عابرة للحدود.
إن الاستقطاب الطائفي ليس مجرد أزمة اجتماعية عابرة، بل هو العدو الأول لمشاريع التنمية والرؤى الاقتصادية المستقبلية. فلا يمكن للأوطان أن تزدهر وتواجه استحقاقات العصر إلا بتكاتف جميع مكوناتها بعيداً عن صراعات المحاور التي تُهدر الطاقات، وتعيق مسيرة بناء الدولة القوية الجامعة.












