آخر تحديث: 19 / 3 / 2026م - 10:45 م

وإن رحل،... يبقى ضياءه..

عبد الله صالح الخزعل

ها هو رمضان يطوي آخر صفحاته، ويغادرنا كما يغادر الضيف العزيز الذي يترك في القلب أثرًا لا يُنسى. تمضي لياليه المضيئة، وتنقضي أيامه التي اعتدنا فيها على صفاء الروح وخفة القلب، ويظلّ في داخلنا شيء يشبه الحنين… حنينٌ إلى السكينة التي عشناها، وإلى القرب الذي شعرنا به، وإلى تلك اللحظات التي بدا فيها الطريق إلى الله أقرب من أي وقت مضى.

ومع انتهاء الشهر، تتردد في أعماقنا أسئلة صامتة: هل كانت علاقتنا بالله علاقة رمضان فقط؟ هل كان قربنا منه قرب موسم، أم قرب قلب؟ وهل سنترك ما اكتسبناه يتلاشى مع هلال شوال، أم سنحمله معنا في بقية العمر؟

إن أجمل ما يمكن أن نخرج به من رمضان هو أن نفهم أن العلاقة مع الله لا تُختزل في شهر، ولا تُبنى على طقوس موسمية، بل على طاعة دائمة، وإن خفّت وتيرتها. فالله ربّ رمضان، وربّ الشهور كلها، وربّ القلوب التي تبحث عنه في كل حين.

رمضان ليس غاية، بل جسرٌ إلى الله.

وليس محطة مؤقتة، بل تذكيرٌ بما يجب أن يكون عليه الطريق طوال العام.

وما نفع أن نُحسن في ثلاثين يومًا ثم نغيب في بقية الأيام؟ وما قيمة أن نرتقي في موسم ثم نعود أدراجنا بعده؟

لقد كان رمضان مدرسةً في الصبر، وفي تهذيب النفس، وفي مجاهدة الهوى، وفي لذة القرب من الله. فإذا غادر الشهر وبقي أثره، فقد نجحنا. وإذا رحل وبقيت قلوبنا معلّقة بربها، فقد أدركنا المعنى الحقيقي للعبادة.

إن العلاقة مع الله لا تُقاس بعدد الصفحات التي قرأناها، ولا بعدد الركعات التي صلّيناها، بل تُقاس بصدق القلب وثباته.

فما أجمل أن نخرج من رمضان ونحن نحمل منه قبسًا يضيء لنا بقية العام؛ أن نحتفظ من صيامه بقدر من الصبر، ومن قيامه بقدر من الخشوع، ومن قرآنه بقدر من الهداية، ومن لياليه بقدر من الصفاء.

ليس المطلوب أن نكون في شوال كما كنا في رمضان، فهذا فوق طاقة البشر، لكن المطلوب أن نظلّ على الطريق؛ أن تبقى في القلب جذوة لا تنطفئ، وأن يبقى في الروح أثر لا يُمحى.

فالله لا يريد منا الكمال، بل يريد منا الاستمرار.

ولا يريد منا كثرة العمل، بل يريد منا صدق النية وثبات الخطوة.

فلنجعل من رمضان بداية لا نهاية، ومن طاعاته عادة لا طقوسًا، ومن قربه ديمومة لا موسمًا.

ولنجعل علاقتنا بالله علاقة تمتد على مدار العام، علاقة محبة وطمأنينة، لا علاقة مؤقتة تُستيقظ في شهر وتغفو في أحد عشر شهرًا.