آخر تحديث: 19 / 3 / 2026م - 10:45 م

قراءة في قرار رفع السن الطبي للأطفال إلى 18 عاما

دكتورة لمياء عبدالمحسن البراهيم * صحيفة اليوم

في خضم الأخبار المتسارعة والقرارات التنظيمية التي تشهدها الأنظمة الصحية، تمر بعض القرارات مرورًا عابرًا في النقاش العام، ليس لأنها غير مهمة، بل لأن توقيتها قد لا يضعها في صدارة الاهتمام المجتمعي. ومن هذه القرارات قرار اعتبار السن الطبي للأطفال حتى 18 عامًا، وهو تعديل قد يبدو بسيطًا إداريًا، لكنه يمس مفهومًا مهمًا في تنظيم الرعاية الصحية ومساراتها.

مثل هذه القرارات لا تأتي من فراغ. فالأنظمة الصحية تبني تنظيماتها على تراكم الشواهد العلمية والخبرات الميدانية وفهم احتياجات المرضى. ورفع الحد الأعلى لتعريف الطفل طبيًا إلى 18 عامًا يمكن قراءته في سياق مواءمة السياسات الصحية مع الفهم الحديث لمراحل النمو، وما استقر عليه كثير من الأدبيات الطبية الدولية. فالعديد من المرجعيات الصحية العالمية تعتبر أن مرحلة الطفولة تمتد حتى نهاية السنة الثامنة عشرة من العمر، وأن المراهقة تمثل جزءًا من هذا المسار الصحي، وإن كانت مرحلة انتقالية بين الطفولة والرشد.

من الناحية البيولوجية والنفسية والاجتماعية، ما يزال المراهق في طور النمو، وتتكون خلال هذه السنوات كثير من أنماط الصحة والسلوك التي قد ترافقه لسنوات طويلة لاحقة. ولذلك تحظى صحة المراهقين باهتمام متزايد في الطب الحديث، حيث تبدأ ملامح بعض الأمراض المزمنة مثل أمراض الغدد، أو السكري من النوع الأول، أو اضطرابات النمو في هذه المرحلة. كما تتشكل جذور الصحة النفسية والسلوكيات الصحية، مثل اضطرابات الأكل والسمنة، في سن المراهقة.

لكن القرار لا يمكن تفسيره من زاوية علم النمو وحده، فهناك بعد تنظيمي يتعلق بتوحيد التعريفات داخل المنظومة الصحية، لتقليل الفجوات بين البرامج والخدمات المختلفة. ومع ذلك، فإن أي قرار تنظيمي يحتاج إلى وضوح حيثياته؛ فوضوح أسباب القرار يسهم في تقليل اللغط وتقريب الصورة للمجتمع والممارسين الصحيين.

كما يبرز تحدٍ آخر يتعلق ببيئة التنويم وطبيعة تعامل التخصصات الطبية مع هذه الفئة. فطب الأطفال يركز على مراحل الطفولة المبكرة والمتوسطة، بينما طب البالغين يتعامل مع المرضى بعد اكتمال النمو، أما المراهقون فيقعون في منطقة وسطى، ما دفع بعض الأنظمة الصحية إلى تطوير مسارات أو تخصصات فرعية تعنى بصحة المراهقين.

وفي الممارسة اليومية، يتعامل كثير من أطباء الرعاية الأولية مع هذه الفئة بصورة طبيعية، باعتبار المراهق جزءًا من سياق أسري وتعليمي واجتماعي، وهو ما يتطلب فهمًا أوسع لظروفه الصحية والنفسية والسلوكية. ويظل التحدي في كيفية ترجمة القرار إلى واقع عملي متوازن، مع مراعاة الخصوصية واختلاف الاحتياجات بين المراهقين والأطفال الأصغر سنًا.

وفي المحصلة، يمكن اعتبار قرار رفع السن الطبي للأطفال إلى 18 عامًا خطوة تتسق مع الفهم العلمي لمراحل النمو، وتفتح المجال لمزيد من الاهتمام بصحة المراهقين داخل المنظومة الصحية. وتتعزز قيمته عندما يصاحبه توضيح مستمر لأهدافه وآليات تطبيقه، ليصبح القرار التنظيمي جزءًا من تطوير الرعاية الصحية وتحسين تجربة المرضى عبر مختلف مراحل حياتهم.

استشارية طب أسرة
مستشار الجودة وسلامة المرضى
مستشار التخطيط والتميز المؤسسي
كاتبة رأي