آخر تحديث: 20 / 3 / 2026م - 9:49 م

العيد… حين يمرّ الضوء من داخلنا

نازك الخنيزي

ليس العيد زمنًا يُقاس بتكرار حضوره، ولا مناسبة تُستعاد على هيئة طقس مكتمل. هو، في جوهره الأعمق، لحظة اختبار صامتة، يُستدعى فيها الإنسان إلى مواجهة نفسه في أكثر مناطقها هشاشةً وصدقًا. ففي الأزمنة المطمئنة، يبدو الفرح امتدادًا طبيعيًا للحياة، غير أن قيمته الحقيقية لا تتجلّى إلا حين يصبح عسيرًا، حين يجيء مثقلًا بما يعاكسه، محاطًا بما ينفيه، ومع ذلك يظلّ ممكنًا.

لا يدخل العيد البيوت بوصفه يقينًا، وإنما يتشكّل على هيئة إشارات دقيقة، تكاد تفلت من الانتباه. في حركة طفل يسبق العالم ببراءته، في ابتسامة أمّ تدرك أن الفرح لا يُصاغ بقرار، وإنما يُترك ليهتدي إلى نفسه، في طقسٍ مؤجّل ينتظر اكتمال حضوره الداخلي قبل أن يُمارَس. هنا، يتبدّى العيد بوصفه تجربة وجودية، لا حدثًا اجتماعيًا، حالةً تتخلّق في الداخل قبل أن تُرى في الخارج.

غير أن العالم لا يفسح المجال دائمًا لصفاء التجربة. ثمّة أعوام يمرّ فيها العيد فوق طبقات من الفقد، فوق مدنٍ تعلّمت الصمت أكثر مما تعلّمت الاحتفال، فوق بيوتٍ صار الغياب أحد مقوّمات حضورها. في هذا السياق، لا يعود السؤال كيف نفرح، بل كيف نصون إنسانيتنا في لحظة يُراد لها أن تكون فرحًا، بينما الواقع يميل إلى نقيضه.

هنا تنكشف المفارقة الأكثر عمقًا: أن الفرح لا يقف في مواجهة الحزن، بل يجاوره، يوازيه، ويمنحه معنى آخر. ليس الاحتفاء بالحياة إنكارًا لما فيها من انكسار، وإنما فعل مقاومة ناعم، يحفظ للروح قدرتها على ألّا تنسحب من ذاتها. أن نُبقي نافذة للضوء، في زمنٍ تتكاثر فيه أسباب العتمة، هو شكل من أشكال الوفاء لما تبقّى فينا من اتساع.

العيد، بهذا المعنى، لا يصلح ما انكسر في العالم، لكنه يضع الإنسان أمام مرآته الأولى: ماذا بقي فيك ممّا يستحق النجاة؟ هل ما زلت قادرًا على اللين، على الإصغاء، على أن ترى في الآخر ما يتجاوز تعبه؟ تلك الأسئلة لا تُقال، لكنها تُعاش، في تفاصيل صغيرة، في طبقات خفيّة من الحضور، حيث يتجاور الضوء وظلّه دون أن يلغي أحدهما الآخر.

فالوجوه التي تتبادل التهاني لا تحمل المعنى نفسه في كل مرة، والكلمات، وإن تكرّرت، تتبدّل طبقاتها. حتى الغياب لا يغادر المشهد، بل يعيد ترتيب حضوره بهدوء، كأنه جزء من نسيج اللحظة. هكذا يصبح العيد مساحةً يتقاطع فيها الامتلاء والنقص، اللقاء والفقد، في توازن دقيق يمنحه صدقه الإنساني.

ليس المطلوب من العيد أن يمنح الفرح، فذلك ليس من طبيعته، وإنما أن يوقظ إمكانه. أن يعيد للروح قدرتها على التماس المعنى، ولو في أكثر اللحظات هشاشة. ففي النهاية، لا يكون العيد ما نعلنه عنه، بل ما يمرّ فينا منه دون ضجيج؛ تلك اللحظة الخاطفة التي يلين فيها القلب، ويستعيد فيها الإنسان صلته بما يجعله إنسانًا.