الشيخ د. فيصل العوامي… حكاية عطاء
في قلب حي «الكويكب» بالقطيف، وتحديدًا في رحاب مسجد الإمام الحسن
، تتجسد حكاية عطاءٍ مستمرة، وبطلها فضيلة الشيخ الدكتور فيصل العوامي. هناك تشعر أن الوقت عنده ليس كغيره، بل يكاد ينحني أمام إرادته. فمنذ أكثر من خمسة وثلاثين عامًا، وهو يؤمّ المصلين، محوّلًا المسجد إلى واحة علم، وتشهد له تلك الجدران ومحراب المسجد.
من يعاشر الشيخ فيصل، يدرك أنه أمام شخصية لا تعرف الكلل ولا الملل؛ كالنحلة التي لا تكلّ من جمع رحيق المعرفة. وقد تشرفت بلقائه وملازمته منذ ما يقارب عشرين عامًا، وكنت أحضر مسجده بشكل شبه يومي، فأرى برنامجًا مزدحمًا بالدروس والبحوث، يقدّمها بمعدل درسين إلى ثلاثة دروس يوميًا، قبل الصلاة وبعدها.
يتنقل في طرحه بين تفسير القرآن، والفقه، وشرح الأدعية، والموضوعات الأخلاقية والثقافية.
ولا يقتصر عطاؤه على الجانب التعليمي، بل يحرص على إحياء مناسبات أهل البيت
والأيام المباركة، وأعمال ليلة القدر، وصلاة جعفر الطيار، والأعياد الإسلامية. وهذه المناسبات لا تمر مرورًا عابرًا، بل تتحول إلى محطات إيمانية عميقة، تجدد الصلة بالله، وتربط الناس بالعبادة بروح واعية ومسؤولة.
كما لا ننسى ذلك العطاء العلمي والتثقيف والإرشاد يوم الجمعة. فله كلمة إرشادية قبل الصلاة يثري بها الحاضرين، ويقسم كلمته إلى جزئين: قسم إرشادي، وقسم فقهي، وذلك من خلال طرح مسائل إسلامية ابتلائية ليفقههم في الدين.
ليجعل من المسجد مساحةً لحراك فكري مستمر. ومع هذه الدروس اليومية والتزامه بالدروس الحوزوية، أثرى المكتبة الإسلامية بأكثر من 150 كتابًا في مختلف المجالات، وكأنه خُلق للكتابة والعطاء العلمي.
ورغم هذا الانشغال، لا يغيب عن مجتمعه؛ فتجده حاضرًا في أفراح الناس وأتراحهم، يشارك، ويواسي، ويقضي الحوائج بصدر رحب. يوازن بين التزامه العلمي وبرنامجه اليومي، وبين حضوره الاجتماعي الصادق.
ومن أبرز ما يميّزه الشيخ فيصل أسلوبه في الطرح؛ فهو لا يقدّم الإجابة مباشرة، بل يبدأ بإثارة الأسئلة التي تحفّز التفكير، وتدفعك للبحث، حتى تصل إلى الفكرة بوعي أعمق، ثم يضع أمامك خلاصة البحث. كما يتسم خطابه بالإيجابية والتفاؤل؛ ففي أصعب الظروف - كما في جائحة كورونا - كان صوته مصدرًا للأمل، يبث الطمأنينة، ويشجع على مواجهة الحياة بثقة بالله.
ومن أجمل ما يميّزه تواضعه الصادق؛ تراه عند دخوله المسجد، يوزّع ابتسامته على الجميع، ويلقي السلام بأدب، ويسأل عن أحوال الصغير قبل الكبير. يمرّ بنظرات أبوية حانية على كل من حوله حتى يصل إلى محرابه. هذا التواضع جعله قريبًا من القلوب، ومحبوبًا لدى الجميع، خصوصًا فئة الشباب الذين وجدوا فيه قلبًا كبيرًا واحتواءً صادقًا.
منذ أن عرفت الشيخ وجلست تحت منبره، تغيّر أسلوب تفكيري، واستمددت منه طاقة لا تنضب. إنه مثال للإخلاص والجد الذي لا يعرف الملل أو الكلل.
حفظ الله الشيخ فيصل العوامي، وزاده علمًا وفقهًا، وأدامه منارة تضيء دروب الخير والمعرفة للمجتمع.


















