آخر تحديث: 24 / 3 / 2026م - 10:39 م

من فيريوفكينا إلى أبو الوعول

أنيس آل دهيم *

كنت أبحث في المواقع عن الكهوف التي يمكن زيارتها كمعلم سياحي في مملكتنا الحبيبة لتكون ضمن ألبوم صوري المتنوع؛ فالكهوف تمثل أرشيفات طبيعية لتاريخ الأرض الجيولوجي وشاهدًا على فضول الإنسان واستكشافه. ولكن دون سابق تفكير راودني سؤالٌ أيقظ لدي غريزة المغامرة والاستكشاف من خلال البحث في محركات البحث الإلكتروني؛ فأقطع تذكرة سفر، وأحزم كتبي، وأسافر بالقراءة والبحث.

فمن أعمق الأنظمة الرأسية في القوقاز إلى خزانات المياه الجوفية تحت شبه الجزيرة العربية والأنفاق البركانية في المملكة العربية السعودية؛ تقدم الكهوف طيفًا واسعًا من عمليات التكوين والظروف البيئية والأهمية العلمية.

أول محطاتي المعرفية كانت في كهف فيريوفكينا الذي يعد أحد أبرز الكهوف العميقة في العالم؛ إذ يقع ضمن كتلة أرابيكا في غرب القوقاز، وقد خضع للاستكشاف تدريجيًا منذ اكتشافه عام 1968. وبعمق مؤكد يتجاوز 2200 متر؛ يُصنّف من بين أعمق الكهوف المعروفة عالميًا.

يعزى تكوينه في المقام الأول إلى ذوبان الصخور الكربوناتية؛ مما ينتج عنه آبار رأسية وممرات ضيقة ومعارض أفقية واسعة في أعماق سحيقة.

يعكس تاريخ استكشاف الكهف تطورات هامة في علم الكهوف، حيث تغلبت بعثات استكشافية متعددة على تحديات تقنية وبيئية لتوسيع نطاق عمقه المكتشف. ويوفر وجود قنوات عميقة وأنظمة هيدرولوجية معقدة رؤى قيمة حول حركة المياه الجوفية وديناميكيات طبقات المياه الجوفية.

وفي محطتي الثانية كانت في كهف عين هيت، الذي يمثل نظامًا كهفيًا ناتجًا عن التآكل، ويتميز بسهولة الوصول إليه وأهميته الهيدرولوجية. يقع هذا الكهف بالقرب من الرياض، وقد تشكل داخل تكوينات جيرية، ويشتهر ببحيرته الجوفية. تاريخيًا، كان بمثابة مصدر حيوي للمياه للمسافرين والقوافل، مما يؤكد أهميته الثقافية والعملية. جيولوجيًا، يرتبط الكهف بتكوينات انهيارية تتصل بخزان جوفي أعمق. وقد حددت الدراسات التي أُجريت في أوائل القرن العشرين، بما في ذلك المسوحات التي بدأت في عهد الملك عبد العزيز، رواسب معدنية مثل الأنهيدريت، مما يبرز قيمتها الاقتصادية والعلمية. وكشفت الاستكشافات الحديثة باستخدام معدات الغوص عن ممرات مغمورة، مما يشير إلى وجود شبكة جوفية أوسع مما كان يُعتقد سابقًا.

أما في محطتي الثالثة، لاحظتُ وجودَ سياق جيولوجي مختلف في كهف أبو الوعول، الذي يعد أطول كهف بازلتي في المملكة العربية السعودية. فعلى عكس كهوف الكارست، التي تتشكل بفعل التحلل الكيميائي؛ إذ نشأ هذا الكهف نتيجة للنشاط البركاني، وتحديدًا تبريد وتصلب تدفقات الحمم البركانية، ويمتد الكهف لمسافة خمسة كيلومترات تقريبًا مما يجعله دراسة حالة مهمة لتكوين الكهوف البركانية. ويُضيف اكتشاف العديد من هياكل الوعل داخل الكهف بعدًا بيئيًا قديمًا؛ إذ يقدم أدلة حول الظروف البيئية الماضية وسلوك الحيوانات. ويُعد الكهف جزءًا من حقل حرة خيبر البركاني الأوسع، وهي منطقة معروفة بتنوعها الجيولوجي وقلة الاستكشاف العلمي فيها نسبيًا، مما يجعلها موقعًا واعدًا للبحوث المستقبلية.

وبالمقارنة توضح هذه الكهوف الثلاثة، تنوع البيئات الكهفية. فكهف فيريوفكينا يجسد التطور الرأسي الشديد في التضاريس الكارستية، بينما يبرز كهف عين هيت التفاعل بين الكهوف وأنظمة المياه الجوفية في المناطق القاحلة؛ ويُوضح كهف أبو الوعول عمليات تكوين الكهوف البركانية. ويسهم كل موقع بشكل فريد في فهم بيئات باطن الأرض، بدءًا من علم المياه والمعادن وصولًا إلى علم شكل الأرض وتاريخ المناخ.

لا تُعد الكهوف مجرد فراغات مادية تحت سطح الأرض؛ بل هي أنظمة معقدة تجسد العمليات الجيولوجية وجهود الاستكشاف البشري. ويُعد استمرار دراسة كهوف مثل فيريوفكينا، وعين هيت، وأبو الوعول أمرًا بالغ الأهمية للنهوض بالمعرفة العلمية، ودعم الحفاظ على البيئة، وتعزيز السياحة الجيولوجية المستدامة؛ ومع تطور تقنيات الاستكشاف، من المرجح أن تكشف هذه المناظر الطبيعية الجوفية عن المزيد من المعلومات حول الديناميكيات الخفية لكوكبنا.

وتُعد المملكة واحدة من أكثر الدول تنوعًا في المنطقة، وهذا التنوع يجعلها بيئة مثالية لوجود عدد كبير من الكهوف، سواء المكتشفة أو التي لا تزال مخفية حتى اليوم. لذلك فإن تنوع تضاريسها الجيولوجية كلها عوامل تجعلها بيئة واعدة لاكتشاف المزيد من الكهوف في المستقبل، مما يفتح آفاقًا علمية وسياحية كبيرة في هذا المجال.