آخر تحديث: 27 / 3 / 2026م - 10:02 م

من عبق الماضي: الحلاقة وتسريحات الشعر في القطيف قديما

حسن محمد آل ناصر *

لم تكن الحلاقة وتصفيف الشعر في القطيف مجرد جزءًا يوميًّا عابرًا، بل كانت جزءًا أصيلًا من نسيج الحياة الاجتماعية، ومرآة تعكس الذوق العام والهوية وحتى المكانة بين الناس للرجال والنساء على حد سواء، أجل، كان الشعر لغة صامتة تُقرأ ملامحها في الأزقة والبيوت، وتحمل في تفاصيلها عبق الزمن القطيفي الجميل.

في تلك الأزمنة لم تكن هناك صالونات حديثة ولا ”كوافيرات“ كما نعرفها اليوم، لكن الأمر كان قائمًا على مهارة الأفراد وخبرة المجتمع، فالرجال يقصدون ”المحسن“ أو الحلاق، وهو شخصية معروفة في الحي، يجلس في دكان بسيط أو في زاوية من السوق، يحمل أدواته اليدوية، حيث يؤدي عمله بإتقان وصبر.

أما النساء فكُنَّ يعتمدن على ما يُعرف بـ ”العجافة“، وهي ذات خبرة في تمشيط الشعر وتزيينه، وهي امرأة تجوب البيوت في المناسبات، وخصوصًا في الأعياد وأفراح الزواج، وأحيانًا عند عودة الرجال من رحلات الغوص، لتعيد للبيوت بهجتها.

كان الرجال يولون شعرهم عناية واضحة وفائقة، وتعددت تسريحاتهم بين ما هو عملي وما هو متوارث، فمنها ”القرعة، الصلعة“، وهي إزالة الشعر تمامًا، وقد ارتبطت بها أهازيج شعبية يرددها الأطفال بروح مرحة، ومن التسريحات ”التواليت“، وهي حلاقة مرتبة تُظهر الشعر بشكل خفيف ومنسق، كما ظهرت تسريحات مثل ”البسايل“، وهي عقوص صغيرة، و”الجدائل“ التي تشبه الضفائر، و”المنشول“ حيث يُترك الشعر دون تصفيف، وهذه التسريحات جاءت بتأثير من أسفار بعض أهل القطيف، خاصة إلى الهند، فجاءت بعض ”التقليعات“ الجديدة آنذاك كعلامة على الانفتاح والتجربة.

أما النساء فكان لهن عالم آخر خاص من الجمال والعناية، ولم يكن الشعر مجرد زينة، لكنه عنوانًا للجمال والأنوثة، ومصدرًا للفخر، تنوعت التسريحات بين ”المفلول“ حيث يُنثر الشعر، و”الجدائل، العقوص“ التي تُضفر بعناية، و”ذيل الحصان“ الذي يُجمع فيه الشعر إلى الخلف، إضافة إلى ”القصة، الكذلة“ التي تُصفف على الجبين، والتي عادت في زماننا كموضة حديثة بعد أن كانت حاضرة في الماضي.

وكانت ”العجافة“ تستخدم مواد طبيعية خالصة، وهي مستمدة من البيئة مثل الريحان والورد الرازقي والمحمدي، إضافة إلى الزيوت كزيت النارجيل والنخيل والودج، وهو دهن يُحضَّر بطرق خاصة لتغذية الشعر، ولم تكن تلك الأدوات للتصفيف أقل تميزًا، فقد استُخدمت الأمشاط المصنوعة من الخشب أو العاج أو حتى العظم، إلى جانب ”المفرق“ المصنوع من قرون الحيوانات لتقسيم الشعر بدقة.

والعناية بالشعر كانت طقسًا متكاملًا يبدأ بالغسل باستخدام السدر أو الطين ”الطين الخويلدي أو الفارسي“، ثم الدهن، ف ”التبخير، التجديل، التعطير“، وكانت هذه الخطوات تُنفذ بعناية في أجواء يغلب عليها الطابع العائلي، حيث تجتمع النساء ويتبادلن الخبرات، ويطلقن عليها أوصافًا للشعر تعكس دقة الملاحظة، فالشعر الناعم يوصف بـ ”الخوصي“ تشبيهًا بعقود خوص النخل أو بخيوط الفضة، بينما يقال عن الشعر الخشن ”عكاريش، عكروش“، في حين أن ”الحرير“ وصفًا لا يحتاج إلى شرح.

وبدأت مع مرور الزمن ممارسات تتطور، فظهرت صالونات التجميل، وبرزت ”الكوافيرات“ المتخصصات، وأصبح الاهتمام بالشعر علمًا قائمًا بذاته ومدعومًا بالمنتجات الحديثة والتقنيات المتقدمة، لكن رغم هذا التطور بقيت تلك البدايات البسيطة شاهدة على زمن كان الإنسان فيه يصنع جماله بيديه، ويبتكر من بيئته ما يلبي حاجاته.

لقد كان الشعر في ذلك الزمن أكثر من مجرد مظهر، وكان امتدادًا للهوية ووسيلة للتعبير، وجزءًا من التراث الشعبي الذي يعكس روح المجتمع، وبين أدوات بسيطة ومواد طبيعية صنعت نساء ورجال القطيف تاريخًا من الجمال، ولا يزال صداه حاضرًا في الذاكرة كلما استُعيدت صور الماضي.

يبقى زمن القطيف القديم شاهدًا على زمن كانت فيه البساطة تصنع الجمال، كما كانت الأيدي تصوغ ملامح الأناقة من خيرات البيئة وروح المجتمع، كان ذاك الزمان فيه تفاصيل صغيرة تحمل قيمة كبيرة، وتنسج فيه ذكريات من مواقف يومية صادقة لا تُنسى، أجل، ستظل تلك الحكايات إرثًا حيًا يروي عبق الماضي ويمنح الحاضر عمقًا ومعنى لا يُنسى.