آخر تحديث: 27 / 3 / 2026م - 10:02 م

قليل معتدل خير من كثير ضائع

جمال حسن المطوع

كم أعجبتني كثيرا كأس فيثاغورس، هندسة العدالة في جرعة ماء، وما أحوجنا في وقتنا المعاصر إلى دراستها والتعمق في معانيها والتدبر في مخرجاتها؛ لأنها تحتوي على دروس في كيفية تهذيب النفس البشرية، ووضع حدود للطمع والشراهة التي تكون عواقبها شديدة المخاطر، واتخاذ العدالة شعارًا إنسانيًا في سلوكنا وأخلاقنا وتصرفاتنا.

ولو بحثنا في التراث البشري لوجدناه يعج بالكثير من التجارب العلمية والفلسفية المنطقية والعقلانية، فهناك من الرسل والعلماء من وضعوا منهجًا وقيمًا مثالية خدموا فيها البشرية، كالرؤية المحمدية ورسالتها الخالدة التي ليس لها مثيل في الوجود من قبل ومن بعدُ.

وما فيثاغورس ونظرياته إلا نقطة في بحرٍ لُجِّيٍّ، دوّنها التاريخ كعلامة بارزة لتؤيد وتوثق ما أشار إليه القرآن الكريم لاحقًا عندما قال: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا [الإسراء: 85].

وما هذا التلاقي إلا ليثبت ما أحدثته تلك النظريات السابقة عهدها، التلاحم والتلازم الأبدي في قالب علمي فيزيائي ذكي، تعتمد في جوهرها وأساسها على بحوث مستفيضة خدمت البشرية، ومهدت وأوجدت حلولًا بتطبيقها على الواقع المعاش، تعالج مشكلات كالتي طرحها فيثاغورس في نظريته، وهي مبدأ السيفون، إلى آخر النظرية وما تحمله من أسس فكرية وبحثية فريدة.

ولكن لا بأس أن نركز في مقالنا هذا على توضيح مبسط للغز الأنبوب المختفي المرتبط وعلاقته بنظرية الكأس، فمن الخارج كأي وعاء عادي للشرب، لكن سر ذكائه يكمن في العمود المركزي الموجود في وسطه، والذي يحتوي على قناة داخلية مخفية تشبه حرف اليو «U» المقلوب، حيث توجد فتحة في أسفل الكأس من الداخل، وأخرى تخرج من القاعدة لسكب السائل خارج الكأس.

وعندما يقوم الشخص بملء الكأس لمستوى معتدل، يرتفع السائل في القناة الداخلية بشكل طبيعي دون أن يتجاوز القمة الانحنائية للأنبوب، مما يسمح للشارب بالاستمتاع بمشروبه بسلام وهدوء بغير هدر أو تبذير، إلخ.

ليكون العلم والجمال والأخلاق كامنًا في اجتماعها في كأس واحدة، لتذكيرنا بأن القليل المعتدل خير من الكثير الضائع، كما تقول نظرية فيثاغورس التي وضعت النقاط على الحروف في حل معضلات مجتمعية ما زلنا نواجهها حتى وقتنا الحاضر… والله الموفق