آخر تحديث: 30 / 3 / 2026م - 11:08 م

الخوف على الأبناء بين فطرة الرحمن وهاجس الصورة

محمد يوسف آل مال الله *

روي عن الإمام الصادق أنّه قال: ”اتركه سبعًا وأدّبه سبعًا وصاحبه سبعًا“.

ليس من السهل تفكيك مشاعر الوالدين تجاه أبنائهم، فهناك خيط دقيق يمتد بين الحب والخوف، بين الرحمة والقلق، حتى يكاد الإنسان لا يميز: هل يخاف عليهم حقًا، أم يخاف بهم؟

في أصل هذا الشعور، يقف المعنى الفطري النقي؛ تلك الرحمة التي أودعها الله سبحانه وتعالى في قلوب الآباء والأمهات، فجعلهم يسهرون لألم أبنائهم، ويقلقون لمستقبلهم، ويخافون عليهم من كل ما قد يمسّهم بسوء. وهذا الخوف في جوهره عبادة قلبية، لأنّه نابع من الإحساس بالمسؤولية التي عبّر عنها النبي ﷺ بقوله: ”كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته“. إنّه خوف يحرس الحياة، لا يقيّدها، ويوجه الأبناء، لا يخنقهم.

لكنّ هذا النقاء لا يبقى دائمًا على حاله. فمع اتساع دوائر الحياة، وتداخل العلاقات، يتسلل عامل آخر إلى هذا الشعور: المجتمع. وهنا تبدأ ملامح الخوف بالتغيّر، دون أن نشعر. يتحوّل من خوفٍ على الابن، إلى خوفٍ منه… من تصرّف قد يُفسَّر، أو قرار قد يُنتقد، أو سلوك قد يُدان.

في هذه اللحظة تحديدًا، لا يعود الأب قلقًا على مصلحة ابنه بقدر ما يقلق على صورته هو: ماذا سيقول الناس؟ كيف سيُنظر إليّ؟ هل سيُتهم بالتقصير في التربية؟ وهنا يكمن التحوّل الخفي؛ إذ يصبح الابن أحيانًا وسيلة لحماية السمعة، بدل أن يكون غاية للرعاية.

هذا الخلط بين الفطرة وضغط المجتمع قد يُنتج تربية مضطربة: تشدد في غير موضعه، ومنع لما لا يستحق المنع، وتوجيه قائم على الخوف، لا على الفهم. فينشأ الأبناء بين خيارين قاسيين: إمّا الانصياع الكامل وفقدان الذات، أو التمرد بحثًا عن مساحة حقيقية للوجود.

أمّا الرؤية الدينية، فتعيد الأمور إلى نصابها، وتفصل بين ما هو لله وما هو للناس. يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُواأَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا ، فالمسؤولية هنا ليست حماية الصورة الاجتماعية، بل حماية المصير الأخلاقي والروحي. إنّها دعوة لأن يكون معيار الخوف هو الحق، لا رأي الناس، وأن يكون الهدف بناء إنسانٍ مستقيم، لا مجرد إنسانٍ ”مقبول اجتماعيًا“.

الخوف الناضج إذن، ليس في شدّة القلق، بل في وضوح البوصلة. أن نخاف على أبنائنا من الانحراف، لا من الاختلاف، وأن نوجههم بدافع الرحمة، لا بدافع القلق من التقييم الخارجي. فليس كل ما يُنتقد خطأ، وليس كل ما يُمدح صوابًا.

في النهاية، التربية ليست معركة مع المجتمع، ولا استسلامًا له، بل هي رحلة وعي. نحتاج فيها أن نُعيد تعريف خوفنا: هل هو خوف يُنقذ أبناءنا… أم خوف يُثقلهم؟

فحين يتحرر الخوف من هاجس الناس، ويعود إلى أصله الفطري المرتبط بالله، قال تعالى ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الْأَصْنَامَ ليتحول من عبءٍ على الأبناء… إلى نورٍ يهديهم الطريق.