هل نعرف متى نموت؟
لا، لا أحد يعرف متى يأتيه الموت. هذا من الأمور الغيبية التي لا يعلمها إلا الله. قال تعالى:
﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ [لقمان: 34].
الفكرة الأهم ليست متى، بل كيف نعيش قبل ذلك. الإنسان يُنصح أن يكون دائمًا مستعدًا للموت، والموت لا يعرف صغيرًا أو كبيرًا، ونجهز لآخرتنا بالأعمال الطيبة، والعلاقات الحسنة، وترك أثر جميل بعد وفاتنا.
الموت… الحقيقة التي لا تغيب
الموت هو الحقيقة الوحيدة التي يتفق عليها جميع البشر، مهما اختلفت لغاتهم وأديانهم وأماكنهم. هو النهاية المحتومة لكل حي، والباب الذي لا بد أن يمر منه الجميع دون استثناء. ومع ذلك، يبقى أكثر ما يتجنبه الإنسان في تفكيره، وكأنه شيء بعيد، رغم أنه أقرب إليه من أي وقت مضى.
ليس الموت مجرد نهاية للحياة، بل هو بداية لمرحلة أخرى يؤمن بها الإنسان وفق عقيدته. لذلك، لم يكن الحديث عنه دعوة للخوف أو التشاؤم، بل تذكير بالمعنى الحقيقي للحياة. فحين يدرك الإنسان أن عمره محدود، يصبح أكثر حرصًا على استثماره فيما ينفع، وأكثر وعيًا بقيمة الوقت، وأشد تقديرًا للعلاقات واللحظات البسيطة.
الموت يساوي بين الناس، فلا فرق بين غنيٍّ وفقيرٍ، ولا بين صاحب منصب وإنسان بسيط. الجميع يعود إلى التراب، ولا يبقى إلا الأثر. وهنا تتجلى الحكمة: أن ما يخلده الإنسان ليس ماله ولا جاهه، بل عمله الصالح، وكلمته الطيبة، وذكراه الحسنة في قلوب الآخرين.
كما أن تذكّر الموت يُربّي في النفس التواضع، ويخفف من التعلق الزائد بالدنيا، ويجعل الإنسان أكثر تسامحًا، لأنه يدرك أن الخلافات زائلة، وأن الحياة أقصر من أن تُهدر في الخصام. فكم من إنسان رحل فجأة، وترك خلفه كلمات لم تُقل، واعتذارات لم تُقدَّم، وأحلامًا لم تكتمل.
لكن لا ينبغي أن يكون الحديث عن الموت سببًا في اليأس، بل دافعًا للأمل والعمل. فكل يوم جديد هو فرصة لتصحيح المسار، وبداية لصفحة أفضل. ومن يعيش وهو مستعد، يعيش مطمئنًا، لا يخاف النهاية، لأنه أحسن الاستعداد لها.
في النهاية، يبقى الموت تذكيرًا صامتًا بأن الحياة رحلة مؤقتة، وأن أجمل ما فيها أن نغادرها وقد تركنا أثرًا طيبًا، وقلوبًا تذكرنا بالدعاء، وذكريات تبقى بعدنا شاهدة على أننا كنا هنا… وعشنا كما ينبغي.
فقد الأحبة ورحيل الشباب المفاجئ من أصعب ما يمرّ به الإنسان، فهو لا يأتي بعد مرض طويل أو وداع متوقّع، بل يُداهم القلوب بلا إنذار، ويترك أثرًا بالغًا في النفس والمجتمع.
الشباب هم زهرة العمر، عنوان الأمل والحيوية، ومنارة المستقبل، وحين يُخطف أحدهم فجأة، تشعر وكأن الزمن توقف، وكأن الحياة فقدت شيئًا من نورها.
فقد الشاب المفاجئ لا يُصدَّق بسهولة، يبقى الأحبة بين صدمة الخبر وإنكار الحقيقة. الأهل يتجرعون ألمًا لا يُوصف، والأصدقاء يعيشون حالة من الذهول، والسؤال الأكثر تكرارًا هو: ”لماذا؟ وكيف؟“، ورأيته البارحة، وكان معنا بالأمس.
رغم الألم، نؤمن بأن لكل أجل كتاب، وأن الله يختار الأحبة إليه في الوقت الذي يعلم أنه الأفضل لهم. وقد يكون في موت الشاب رفعة له ورحمة، حتى لو لم ندرك الحكمة.
وعلينا أن نأخذ دروسًا وبعض العبر عن الموت.
• يذكّرنا بأن الموت لا يعرف عمرًا.
• يدعونا لأن نُحسن علاقتنا بالله وبالناس.
• يجعلنا نُراجع أنفسنا ونصفيها من السلبيات التي بنا قبل فوات الأوان.
وفقدنا خلال شهر خيرة الشباب في محافظة القطيف، وهم:
• الشاب علي المحروس.
• الشاب محمد الصفواني.
• الشاب محمد آل هلال.
• الشاب علي آل درويش.
• الشاب أحمد آل رضي.
• الشاب طلال الضامن.
• الشاب السيد حيدر أبو الرحي.
• الشاب حسن أبوزيد.
• الشاب علي عبدالعال.
• الشاب السيد علوي الخضراوي.
• الشاب مؤيد الصفار.
• الشاب محمد آل بزرون.
رحمهم الله جميعًا.
هل هؤلاء الشباب يعلمون أن أيامهم انتهت، وقرب أجلهم؟ لا أحد يعلم، العلم عند الله، وأن ورقتهم سوف تسقط من الشجرة.
السيد علوي الخضراوي رحمه الله كان معنا في أواخر شهر رمضان المبارك على وجبة السحور السنوي في منزل الأخ عبدالإله العبيدان «أبو سعيد»، وكان بضحكته ومزحه، لا نعلم ولا يعلم أن أيامه قليلة، ويرحل من هذه الدنيا ويودعنا.
ولهذا، الموت حق علينا، ونحن ضيوف بهذه الدنيا الفانية، ولا تستحق منا الخصام والزعل من بعضنا البعض لسنوات طويلة.
لو كل شخص عرف متى يموت، لمات من كثرة التفكير والمرض.
ولو عرف، لأصلح حاله، ورتب أوراقه ونظفها من المعاصي والذنوب والخطايا، وأصلح ما بداخله، وحسّن صفاته وخلقه مع نفسه والآخرين.
كم من القصص الغريبة التي نسمعها عن قطيعة الأرحام.
أخ لا يكلم أخاه وأخته.
أخت لا تكلم أخاها وأختها.
قريب لا يكلم قريبه.
صديق لا يكلم صديقه.
جار لا يكلم جاره.
من سنوات طويلة.
وذلك بسببٍ تافهٍ لا يستدعي هذا الخصام والفرقة.
وعندما يرحل شخص منهم، يندم ويتأسف الشخص الآخر، ويجلس من غفلته بعد فوات الأوان، ويقول: يا ليت فلان يرجع للحياة لأتسامح معه وأعتذر منه، لقد ظلمته، وراح من هذه الدنيا وهو غاضب وزعلان مني.
ويعيش باقي حياته بالندم والحسرة.
أنا أستغرب من عقليات بعض البشر، يفكرون أنهم سوف يعيشون مئات السنين، متى يصحون ويستيقظون من غفلتهم الطويلة، ويصلحوا ما بأنفسهم من سلبيات وسوء خلق وأخلاق مع أنفسهم والآخرين.
ويسامحون ويصافحون ويعيشون حياة سعيدة بدون زعل وخصام وفرقة، ويتذكرون دائمًا أن الموت سوف يأتيهم في أي لحظة، وأن الحياة لن تدوم لهم للأبد، وكلنا راحلون، ويبقى الأثر الطيب.
اللهم ارحم موتانا وموتاكم وموتى جميع المؤمنين والمؤمنات وشبابنا الراحلين، واجعلهم في أعلى عليّين، واربط على قلوب أهلهم بالصبر والسلوان.
إنا لله وإنا إليه راجعون.












