آخر تحديث: 1 / 4 / 2026م - 7:48 م

تنبّه.. حتى الحلزون يصل!

عبد العزيز حسن آل زايد *

البعض منا لا يرتضي إلا العجلة في زمنٍ أُطلق عليه زمن السرعة، فالكل يتعجل قطف النتائج الكبرى قبل أن يحين حينها. في عالمٍ يعج بالضجيج واللهاث المستمر؛ يغيب عن أذهاننا درسٌ بليغ تقدمه الطبيعة الصامتة. فهلا تفكرنا قليلًا في ”الحلزون“؛ ذلك الكائن الذي لا يملك سرعة الفهد ولا وثبة الغزال، لكنه يمتلك يقينًا في الطريق الذي يسير فيه.

إنّ السير خطوةً واحدة نحو الرحلة الطويلة هو ما يحقق الهدف. البعض قد لا يقتنع بجدوى حركة الحلزون، ويرى فيها بطئًا لا يورث وصولًا، لكن الحقيقة الصامتة تقول: إنّ الحلزون الزاحف يصل لهدفه حتمًا؛ إذا لم يتوقف.

1/ الذرات السحرية

لماذا يتجاهل الناس الذرات الصغيرة، رغم أنّ البيوت تُبنى من الحصى؟ البعض يقول: ”ماذا ينفع هذا الهباء؟“ وما جدوى العمل في دقيقة أو دقيقتين؟ بالضبط؛ هذا ما نريد الحديث عنه؛ فالقوة تسكن في هذه الذرات السحرية التي تبني المارد الصخري ذات يوم. إنّ التحسّن الصغير المتراكم هو الذي يصنع الفارق، والنجاح ليس قفزةً هائلة، بل هو انضباط يومي يكسر مقاومة النفس ويخمد صوت الكسل.

في اليابان، يسمون هذا ”كايزن“، وهو ليس مجرد تقنية إدارية للمصانع، بل هو فلسفة ”التحسن المستمر“ عبر خطوات متناهية الصغر. القوة الحقيقية لا تكمن في الانفجارات المفاجئة، بل في تلك ”الذرات السحرية“ التي تتراكم يومًا بعد يوم لتصنع في النهاية ماردًا صخريًا. قد يسخر البعض ويتساءل: ”ماذا سيفعل هذا الهباء؟“، والرد يكمن في النتائج؛ فالعقل الذي يهرب من التغيير الجذري، يستسلم بسلام أمام التحسينات البسيطة التي لا تشعره بالخطر. يحكى أنّ بناءً عجوزًا كان يضع صفًا واحدًا من الطوب كل يوم في زاوية أرضه، سخر منه المارة قائلين: ”متى ستسكن يا شيخ وهذا الصف الواهن لا يصنع سقفًا؟“، فكان يبتسم ولا يجيب. دارت الأعوام، وبينما كان الساخرون لا يزالون يلهثون خلف قروض البناء المتعثرة، كان العجوز يدهن جدران بيته المنيع. لقد أدرك العجوز ما لم يدركوه؛ وهو أنّ البيوت ليست إلا أحجارًا تراكمت بالصبر، وأنّ المارد الصخري يولد من رحم تلك اللبنات التي استصغروها.

2/ برنامج البساطة

لا تستسخف الأمور البسيطة، فهي أكبر مما تظن، فمحلاتُ كلِّ شيءٍ بريالٍ تُكوِّنُ ثرواتٍ هائلة، عليه تمسك بالبساطة التي تخلق الفرق، فمن أجل صحتك؛ قلل ملعقة سكر، احذف بعض الملح، تناول ملعقة سلطة، واشرب كأس ماء. من أجل نفسك؛ امشِ خمس دقائق، ونم قبل موعدك بعشر دقائق. من أجل ثقافتك؛ اقرأ ورقة كل يوم، واكتب نصف صفحة كل نهار. من أجل تعليمك؛ تعلم كلمتين كل ليلة، واستمع لما ينفعك ولو لدقيقتين. لنجعل الأمر واقعيًا وملموسًا؛ فالكايزن يبدأ من تفاصيل يومك الصغيرة. رغم بساطة هذا البرنامج، إلا أن سحره يكمن في انضباطه لا في ضخامته.

نقل لي صديقٌ أنه ظل لسنوات يعاني من ثقل الحركة وتراكم الإرهاق، وكان يخطط دائمًا للبدء بـ ”ساعة مشي“ كاملة، لكنه لم يبدأ قط. في لحظة وعي، قرر أن يكتفي بـ ”خمس دقائق“ فقط عند مدخل بيته قبل الدخول. سخر من نفسه في البداية، لكنه استمر. بعد شهر، أخبرني بذهول أنّ ضغط دمه انتظم، وأنّ ”الخمس دقائق“ التي استصغرها كانت أعظم أثرًا من ”الساعة“ التي لم تأتِ أبدًا. البساطة يا صديقي هي العبقرية التي تخلق الفرق.

3/ من الزحف إلى الهرولة

رغم بساطة هذا الطرح، إلا أنّ البعض قد لا يقتنع؛ يظنون أنّ خمس دقائق لا تكفي. ربما تكون قليلة في ذاتها، لكنها كافية جدًا مع الاستمرار. ثم إنّ هناك شيئًا خفيًا يحدث؛ وهو أنّك حين تلمس الأثر ستبدأ بالهرولة نحو هدفك تلقائيًا. ستضاعف الدقيقة وتزيد العيار، لأنك أدركت القيمة الحقيقية بعد المعايرة. هناك سرٌ خفي في هذه الخطوات الصغيرة؛ وهو أنك حين تلمس الأثر وتتذوق حلاوة الإنجاز البسيط، ستتغير ”معايرتك“ الداخلية تلقائيًا. تلك الدقائق الخمس التي بدأت بها بصعوبة، قد تجد نفسك تهرول نحو مضاعفتها حين تدرك قيمتها. الكايزن ليس قيدًا ليبقيك بطيئًا، بل هو مرحلة ”إحماء“ ضرورية للنفس، فبمجرد أن يبدأ المحرك بالدوران، ستزيد العيار وتضاعف الجهد بدافع الشغف لا الإكراه.

قال لي أحدهم إنه بدأ بتعلم لغة جديدة، وكان يخصص ”دقيقتين“ فقط للاستماع قبل النوم. في الأسبوع الأول كان يشعر بعبثية الأمر، لكن في الأسبوع الثالث وجد أذنه تألف الإيقاع، فتحولت الدقيقتان إلى عشر، ثم إلى نصف ساعة بشغفٍ عارم. أخبرني حينها: ”لم أكن أجبر نفسي، بل كان عقلي هو من يطلب المزيد بعد أن ذاق حلاوة الفهم“. لقد كان الزحف إحماءً لهرولةٍ لم يخطط لها، وهذا هو سر المعايرة الداخلية حين تلمس الأثر.

4/ قانون التراكم

البعض منا لا يقتنع إلا بتناول الفيل دفعة واحدة، وهذا ما لا يكون في الظروف الطبيعية، لا يقبل الواحد بتناول الحصة الصغيرة، ويطمح للحصص الكبيرة؛ يؤكد براين تريسي أنّ التحسن بنسبة 1% يوميًا كفيلٌ بأن يجعلك تتفوق على الجميع. القصة ليست في السرعة، بل في العملية المستمرة، فالنجاح ليس حدثًا مفاجئًا، بل نتيجة تحسينات بسيطة تُمارس دون انقطاع.

مما طالعته في سيرة أحد كبار الكتاب، أنه سُئل عن سر إنتاجه الغزير، فتوقع السائلون حديثًا عن ”عزلة الشهور“ أو ”طفرات الإلهام“. لكنه أجاب ببساطة: ”نصف صفحة يوميًا“. لقد رفض أن يتناول ”الفيل“ دفعة واحدة، وقبل بالحصة الصغيرة اليومية. لم يكتب يومًا تحت ضغط النتائج الكبرى، بل عاش تحت سحر العملية المستمرة. وبفضل تلك ال «1%» اليومية، وجد نفسه في نهاية المشوار يمتلك مكتبةً من المؤلفات، بينما لا يزال غيره ينتظر اللحظة المثالية ليكتب معلقته الوحيدة.

في الختام نقول: لا تخشَ من البطء في مسيرتك، فالزحف نحو القمة خيرٌ من القعود في السفح انتظارًا لمعجزة. الحلزون وصل ليس لأنه أسرع، بل لأنه لم ينظر خلفه ولم ينقطع عن الطريق. تذكر دائمًا: لا تخشَ من البطء، بل اخشَ من التوقف. فالحكمة التي نختم بها الحديث هي: أن الحلزون يصل.. فماذا عنك؟

إداري في مركز التنمية والإبداع-خريج جامعة الملك فيصل بالأحساء «العوامية».