الألوان.. ضحية التطور والحداثة
في خضم اندفاع الإنسان نحو التطور والحداثة ونحو السرعة والكفاءة والتقنيات الذكية، حدثت خسارة صامتة لم ينتبه إليها كثيرون؛ ألا وهي خسارة الألوان.
لم تُمحَ الألوان من العالم، لكنها تراجعت وخف بريقها، وانسحبت من المشهد العام لصالح الحياد والرماديات والسطوح الصامتة. وكأن الحداثة قررت أن النقاء يعني التقليل، وأن الرقي يعني الاختزال، وأن الأناقة لا تكتمل إلا حين تتخلى عن جرأة اللون.
لو تأملنا المدن القديمة في فاس أو صنعاء أو أحياء جدة التاريخية، لوجدنا أن اللون كان جزءًا من الهوية. الأزرق النيلي، والأخضر الزمردي، والأصفر الترابي… كلها كانت تحكي قصة المكان والناس.
لكن مع صعود الطراز الحديث الذي تأثر بأفكار لو كوربوزييه، أصبحت الخرسانة المكشوفة والواجهات البيضاء والزجاج الرمادي عنوان المرحلة. صارت الأبنية تتشابه في كل مكان، مدينة بلا لون تكاد تكون نسخة من مدينة أخرى. اختفى الطين الملون، وتراجعت الزخارف، وحلّ محلها الحد الأدنى البارد.
وفي عالم الأجهزة، يكفي أن ننظر إلى منتجات آبل لنفهم الفكرة. الفضي، الرمادي، الأسود، الأبيض… ألوان محايدة تعكس فلسفة البساطة. لا شك أن هذا التوجه أنيق، لكنه ساهم في ترسيخ ثقافة اللون الواحد.
أما في عواصم مثل باريس وميلانو، يسود الطابع الأحادي. بينما في البيئات التقليدية في نجد أو الهند، ظل اللون احتفالًا يوميًا بالحياة.
ورغم كل ذلك، ما زالت الطبيعة تقاوم هذا الفقر البصري. في الحدائق تتجاور الورود الحمراء مع الزهرات البنفسجية، وتتفتح الأقحوانات البيضاء بجوار أزهار صفراء لامعة، وتتنوع درجات الأخضر في مشهد يعيد للروح اتزانها.
وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا الجمال اللوني البديع في قوله تعالى:
﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ﴾ [فاطر: 27]
إن اختلاف الألوان ليس عبثًا، بل آية من آيات التنوع والجمال، آية كونية عظيمة تدل على قدرة الله وإبداعه في خلقه، حيث ذُكرت في القرآن الكريم في مواضع عديدة للتأمل في جمال الطبيعة: الجبال، الثمار، البشر. اختلاف الألوان، من أبيض وأسود وأحمر وأصفر وأخضر، يعد دليلًا على الإعجاز الإلهي في التنوع والتناغم النفسي والكوني، كما في قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ﴾ [الروم: 22]
والسؤال الذي يطرح نفسه، من أين جاءت فكرة «التشوه البصري»؟
لم تكن مواجهة الألوان قرارَ فردٍ واحدٍ بعينه، بل هي نتيجة تراكم فكري وتنظيمي. في أوروبا، ومع صعود المدرسة الحداثية المتأثرة بأفكار لو كوربوزييه وحركة الباوهاوس، ظهرت دعوات لتوحيد الواجهات وتقليل الزخرفة باعتبارها فوضى بصرية. كانت الفكرة تقوم على أن الانضباط الشكلي يعكس النظام والتحضر.
لاحقًا، تبنت بلديات كثيرة حول العالم مفهوم «الهوية البصرية الموحدة» ووضعت لوائح تنظيمية تحدد ألوان واجهات المحلات والإعلانات وحتى المنازل. لم يكن الهدف المعلن محاربة اللون ذاته، بل الحد من العشوائية الإعلانية وتضارب اللافتات والأحجام والخطوط وغيرها.
وفي بعض المدن العربية، مثل جدة والرياض والخبر وغيرها، ظهرت حملات تحت مسمى إزالة التشوه البصري، مطالبةً المحالَّ التجاريةَ بتعديل الواجهات، وتوحيد اللوحات، وإزالة الألوان الصارخة أو المواد غير المتناسقة. كانت الغاية تنظيم المشهد الحضري، لكن النتيجة في بعض الأحيان كانت ميلًا واضحًا نحو الألوان المحايدة وإقصاء الجرأة اللونية.
هنا يبرز السؤال: هل المشكلة في اللون نفسه؟ أم في سوء استخدامه؟
وهل التشوه البصري سببه الطيف اللوني؟ أم غياب الذوق والتخطيط؟
لا أحد ينكر أهمية التنظيم الحضري، ولا ضرورة الحد من الفوضى البصرية. لكن حين يتحول التنظيم إلى تجريد المدن من شخصيتها، يصبح الأمر أقرب إلى تسطيح الهوية منه إلى تجميلها.
اللون ليس عدوًا للنظام. بل يمكن أن يكون عنصرًا منظمًا إذا أحسن توظيفه. المدن التي تحافظ على ألوانها المحلية تبدو أكثر حياة، وأكثر ارتباطًا بتاريخها وثقافتها.
ربما لم تكن الحداثة تقصد التضحية بالألوان، لكنها حين اختارت الحياد معيارًا عالميًا، همّشت الطيف دون أن تشعر. غير أن الطبيعة ما زالت تذكرنا، في حدائقها وسمائها وجبالها، أن التنوع اللوني قانون كوني، لا يمكن اختزاله في درجات الرماد. فاللون ليس تشوهًا… التشوه الحقيقي هو أن نفقد قدرتنا على رؤية الجمال في تنوعه.
أعلم أنك استوعبت كل ما ورد في المقال، وأكاد أجزم أنك توقفت مليًّا عند ذكر أفكار لو كوربوزييه وحركة الباوهاوس، وقد تسلل إليك ذلك الفضول المشروع: ما الذي يرمي إليه هذا الإيحاء؟
لقد تعمدت ألا أسهب في الشرح أو أغرق في التفاصيل؛ لا إغفالًا، بل قصدًا. أردت أن أوقظ فيك غريزة التساؤل، وأن أفتح أمامك باب البحث، لأن بعض الأفكار لا تُمنح جاهزة، بل تُكتشف، فتكون أعمق أثرًا وأبقى حضورًا.












