آخر تحديث: 5 / 4 / 2026م - 10:29 م

السخرية وتداعياتها السلبية

جمال حسن المطوع

تنتشر هذه العادة الذميمة في أوساط بعض أفراد مجتمعنا، وهناك من يتقبلها ويتفاعل معها رغبة في إشباع نزعات نفسه المريضة والمعقدة، وتفريغها بالضحك والقهقهة وانعدام المسؤولية الأخلاقية، وذلك يأتي بالنيل من الآخرين واحتقارهم وإذلالهم في كرامتهم لرأي أو فكرة لم يتم التوافق عليها، وما يحز في الوجدان أن يأتي هذا السلوك غير اللائق من أناس لم نتوقع أن تبدر منهم هذه الترهات، بل الأدهى والأمر أن تأتي تلك التصرفات اللا أخلاقية من طبقة المثقفين والمتعلمىن الذين يتمادون دون حس أو وعي ينبع من ذاتهم وجوهرهم، وكان الأحرى أن تكون سماتهم أجل وأرفع من كل ذلك.

وهناك نماذج أخرى انتهجت النهج نفسه في السخرية والتقليل من شأن بعض أصحاب العاهات المستديمة أو من ذوي الهمم الذين شاءت الأقدار لهم ذلك، فتراهم عند جهال البشر مثار سخرية وتشاطر وتناظر مع من ذكرنا سابقًا من صغار العقول لتكتمل الصورة وكأنهما وجهان لعملة واحدة؛ إذ اتخذوا من بعض أولئك المدعين بالعلم والثقافة والوعي والفهم منطلقًا لهم ليتمادى هؤلاء الجهلاء وأولئك في حلقة مشينة جُبل عليها كلا الطرفين واشتركوا في قالب واحد من السخرية والقدح والتهريج، فيجرحوا أولئك المغلوب على مشاعرهم بكلمات مستفزة من كثرة السؤال والتعليقات لهذه العاهات، وكأن الأمر حصل بإرادتهم ورغبة منهم، والكل يعلم تمام العلم أنها مشيئة الله وإرادته، وهو خوض فيما لا يعنيهم، حتى يصل الأمر إلى تعرض هؤلاء المعاقين للسخرية سواء كانت مقصودة أو غير مقصودة، وهكذا دواليك تفتح الأبواب على مصارعها في تعدد أنواع السخرية المقيتة والمتعددة الصور.

ولكن أن تأتي هذه السخرية الأشد والأقسى من المحسوبين أنهم الأفهم والأعلم، فهي أشد وطأة ومرارة من الجهال الذين لا يفقهون شيئًا ولا يعقلون ما يتفوهون به، وقد ذمت نصوص قرآنية وأحاديث مروية من يمارسون هذه العادات غير المبررة، وكما أشارت هذه الآية الكريمة من دروس وتوجيهات واضحة لكل ذي لب: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [الحجرات: 11].

ومن الأحاديث المروية ما تناقلته السير أن السخرية تخرج قائلها من ولاية الله؛ إذ قال الإمام الصادق : «من روى على مؤمن رواية يريد بها شينه، وهدم مروءته، ليسقط من أعين الناس، أخرجه الله تعالى من ولايته إلى ولاية الشيطان، فلا يقبله الشيطان».

نسأل الله تعالى أن يجيرنا من هذه المنزلقات والهفوات لنحمي أنفسنا من شرور أعمالنا، إنه سميع الدعاء... والله الموفق.