آخر تحديث: 8 / 4 / 2026م - 2:41 م

حين يضيق النص وتتسع القراءات..

عبد الله صالح الخزعل

في زمنٍ أصبحت فيه التغريدة أداة تعبير لا تقل تأثيراً عن المقال والخطاب، يجد الكاتب نفسه أمام تحدٍّ جديد: كيف يختصر فكرة كاملة في مساحة ضيقة، ثم يضمن أن تصل إلى القارئ كما أراد لها أن تصل؟ فوسائل التواصل الاجتماعي، رغم بساطتها الظاهرة، تُخفي وراءها تعقيداً كبيراً في عملية الفهم والتأويل، إذ لا يقرأ الناس الكلمات وحدها، بل يقرأونها محمّلة بخلفياتهم وتجاربهم وميولهم، وهذا ما يجعل التغريدة رحلة محفوفة باحتمالات الفهم وسوء الفهم في آن واحد.

إن طبيعة الفضاء الرقمي تقوم على السرعة والاختزال، وهذان العنصران يفرضان على الكاتب أن يضغط المعنى في جملة قصيرة، وأن يختار ألفاظه بعناية، وأن يتخلى عن الشرح الذي كان يمنحه الأمان في النصوص الطويلة. ومع هذا الاختزال، تتسع مساحة التأويل، فيصبح القارئ شريكاً في صناعة المعنى، لا مجرد متلقٍ له. وقد يحدث أن تُقرأ التغريدة بروحٍ هادئة فتبدو واضحة، بينما تُقرأ بالعين ذاتها في لحظة توتر فتتحول إلى شيء آخر تماماً. وهكذا، لا يعود النص ملكاً لصاحبه بعد نشره، بل يصبح ملكاً لعددٍ لا يُحصى من القرّاء، لكلٍّ منهم زاوية نظره، وحساسيته، وطريقته في الفهم.

وليس التفاوت بين العقول أمراً سلبياً في ذاته، بل هو جزء من طبيعة البشر. غير أن هذا التفاوت يفرض على الكاتب مسؤولية مضاعفة، لأن الكلمة المختصرة قد تُحمَّل ما لا تحتمل، وقد تُسحب إلى سياق لم تُكتب لأجله، وقد تُستخدم في نقاش لم يكن الكاتب طرفاً فيه. وهنا تظهر أهمية الوعي قبل الكتابة، لا بوصفه خوفاً أو تردداً، بل بوصفه شكلاً من أشكال الحكمة. فالتغريدة ليست مجرد جملة عابرة، بل هي رسالة تُلقى في فضاء مفتوح، وقد تعود إلى صاحبها محمّلة بتفسيرات لم يقصدها، أو نتائج لم يتوقعها.

إن الكاتب الحكيم لا يخشى الكتابة، لكنه يدرك أثرها. يفكر في احتمالات الفهم المختلفة، ويتجنب العبارات الملتبسة، ويضيف كلمة توضيحية حين يحتاج الأمر، ولو على حساب الإيجاز. يسأل نفسه قبل النشر: هل هذه الفكرة تحتمل الاختصار، أم أنها تحتاج مساحة أوسع؟ هل السياق مناسب؟ هل يمكن أن تُفهم على غير وجهها؟ هذه الأسئلة ليست عبئاً، بل هي جزء من مسؤولية الكلمة في زمنٍ أصبحت فيه سرعة النشر تفوق سرعة التفكير.

ومع ذلك، تبقى التغريدة فناً قائماً بذاته، لا يقل صعوبة عن كتابة المقال الطويل. فهي تتطلب دقة في اختيار المفردة، ووعياً اجتماعياً، وقدرة على الموازنة بين الإيجاز والوضوح. والتغريدة الناجحة ليست تلك التي تُثير الجدل، بل تلك التي تُوصل الفكرة بأقل قدر من الالتباس، وتحترم اختلاف القرّاء، وتدرك أن الكلمة، مهما قصرت، قد تبني جسراً أو تُحدث شرخاً.

وهكذا، يصبح الكاتب أمام معادلة دقيقة: أن يكتب بحرية، لكن بوعي؛ وأن يختصر، دون أن يخلّ بالمعنى؛ وأن يثق بقارئه، دون أن ينسى أن العقول متفاوتة. وفي هذا التوازن، تتجلى حكمة الكاتب، وتستقيم رسالته، وتصبح التغريدة أداة تواصل حقيقية، لا شرارة سوء فهم.

التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 1
1
ياسر عبدالوهاب بوصالح
[ الأحساء - السعودية ]: 8 / 4 / 2026م - 12:43 ص
كل مقالاتك جميلة أستاذ عبدالله،
غير أني أجدك في هذا المقال قد لامست مفصلاً دقيقاً في حياتنا المعاصرة: فنّ الإيجاز. فحين أربط ما تفضلتَ به بما ورد عن الإمام علي عليه السلام: «خيرُ الكلام ما لا يُمَلّ ولا يُقَلّ»، أرى أنه يشير إلى منهجين متكاملين:
ألّا يكون الكلام – مقروءاً كان أو مسموعاً – سبباً للملل، فيفقد أثره.
وألّا يُختصر إلى حدّ يظلم الفكرة، فيُربك القارئ ويضعه في حيرة.
وهنا تتجلى براعة الكاتب أو المتحدث: أن يقدّم كلاماً قليلاً في مبناه، كبيراً في معناه؛ كلاماً يشدّ ذهن القارئ دون إطالة، ويُوصل الفكرة دون إخلال، ويوازن بين الإيجاز والوضوح في زمن تتسارع فيه القراءة كما تتسارع الكتابة