آخر تحديث: 11 / 4 / 2026م - 10:46 م

عندما تكافأ السرعة ويعاقب الإخلاص

باسم آل خزعل

في كثير من بيئات العمل قد لا تكون المشكلة في قلة الكفاءات، بل في طريقة إدارتها وتقديرها. فهناك مفارقة مؤلمة تتكرر في مؤسسات عديدة: موظف قضى سنوات طويلة في خدمة منشأته بإخلاص، يكد ويجتهد، يحمل خبرة تراكمت عبر الزمن، ويؤدي دورًا يتجاوز حدود وظيفته الرسمية.. ومع ذلك يبقى في الظل، بينما يحصل القادم الجديد على الترقية والاهتمام في وقت قياسي.

هذه القصة ليست حالة فردية، بل نموذج متكرر لما يمكن أن نسميه اختلال ميزان التقدير الوظيفي.

سنوات من العطاء.. بلا مقابل

هناك موظفون قضوا عشرات السنين في منشآتهم. أحدهم تجاوز الخمسة والعشرين عامًا في العمل، أمضى منها أكثر من ثلاثة عشر عامًا دون ترقية واحدة. طوال هذه الفترة كان محل ثناء مديريه من حيث الخبرة والمعرفة المهنية، وكان يوصف دائمًا بأنه «صاحب الخبرة المميزة».

لكن هذا الثناء بقي كلمات في الهواء، لا يتحول إلى قرار، ولا إلى مكافأة، ولا إلى تقدير ملموس. بل إن هذا الموظف نفسه كان يُكلَّف مرارًا وتكرارًا بمهمة تدريب الموظفين الجدد. مهمة تبدو في ظاهرها تقديرًا لخبرته، لكنها في الواقع كانت تكليفًا من دون مقابل. كان يُقال له إن التدريب قد يفتح له بابًا لمكافأة، أو ترقية، أو تعديل في الراتب؛ لكن السنوات تمضي، والوعود تبقى ضبابية.

المفارقة المؤلمة

المفارقة أن من درّبهم هذا الموظف لم يمضِ على وجودهم في المؤسسة سوى أشهر قليلة، أو بالكاد سنتين، ومع ذلك يحصلون على الترقيات والمزايا التي حُرم منها من علّمهم ودرّبهم أساسيات العمل. هذه المفارقة ليست فقط ظلمًا فرديًا، بل رسالة سلبية لكل العاملين: أن الخبرة الطويلة لا تعني شيئًا، وأن الإخلاص لا يُكافأ بالضرورة.

عندما يتحول الامتناع إلى «تقصير»

بعد سنوات من التدريب دون أي تقدير، قرر هذا الموظف أن يتوقف عن تدريب القادمين الجدد. لم يكن ذلك بدافع اللامبالاة، بل بدافع الاحتجاج الصامت على واقع غير عادل. لكن المؤسسة لم ترَ الأمر بهذا الشكل.

فجأة تحولت خبرته الطويلة إلى اتهامات باللامبالاة وعدم المهنية.

وصار الامتناع عن التدريب دليلًا على التقصير، لا نتيجة طبيعية لسنوات من الوعود غير المنفذة.

وهكذا أصبح الموظف في نظر البعض مشكلة يجب تقييمها، لا خبرة يجب الحفاظ عليها.

الإدارة التي ترى نصف الحقيقة..

بعض الإدارات تقع في خطأ شائع: تنظر إلى السلوك الظاهر دون أن تسأل عن أسبابه. عندما يرتفع صوت الموظف مطالبًا بأبسط حقوقه، يُطلب منه الصمت. وعندما يعترض على الظلم، يُقال له: «في نهاية الشهر أنت تستلم راتبك كاملًا».

وكأن الراتب هو الحد الأقصى للعدالة الوظيفية، وليس مجرد الحد الأدنى منها. الحقيقة أن الراتب لا يُلغي الحاجة إلى التقدير، ولا يُعوّض عن غياب العدالة في الترقيات، ولا يُبرر تجاهل الخبرة المتراكمة.

خسارة المؤسسة قبل الموظف

قد يظن البعض أن المشكلة تخص الموظف وحده، لكنها في الحقيقة خسارة للمؤسسة نفسها.

عندما يشعر أصحاب الخبرة بالتهميش، يحدث أمران خطيران:

أولًا: تراجع الحافز والإبداع

لأن الإنسان بطبيعته يحتاج إلى الشعور بقيمة جهده.

ثانيًا: فقدان المعرفة المؤسسية

فالكثير من الخبرات المتراكمة لا تُكتب في تقارير، بل تنتقل عبر التجربة.

وعندما يُهمَّش أصحاب هذه الخبرات، فإن المؤسسة تفقد كنزًا حقيقيًا دون أن تشعر.

العدالة في بيئة العمل ليست رفاهية، بل ضرورة لنجاح أي مؤسسة. فالترقيات يجب أن تقوم على معايير واضحة، لا على الصدفة، أو العلاقات، أو الاندفاع المؤقت. فالموظف الذي قضى سنوات في خدمة المؤسسة يستحق على الأقل تقديرًا حقيقيًا لخبرته، ومسارًا وظيفيًا واضحًا للتطور، ومكافأة عادلة على الجهد والتدريب الذي يقدمه للآخرين.

كلمة أخيرة..

إن المؤسسات التي تتجاهل أصحاب الخبرة وتكافئ السرعة على حساب الإخلاص، قد تحقق نتائج مؤقتة، لكنها تخسر على المدى الطويل روح العمل والانتماء.

فالإنسان لا يعمل فقط من أجل الراتب، بل من أجل الشعور بقيمة ما يقدمه.

وعندما يصبح الصمت هو المطلوب، والاعتراض هو الخطأ، والسنوات الطويلة بلا معنى…

فالمشكلة ليست في الموظف الذي يطالب بحقه، بل في النظام الذي لا يسمع إلا من يصفق له.