ترويض السماء!
حين تتمادى النفس الشريرة وتصبح مؤذية لنفسها وللآخرين، تنشر زفرات الغضب كنيرانٍ تُحرق الأخضر واليابس، تُطفئ نور الطفولة، وتحوّل ضحكات الحياة إلى صراخ مفجع يذيب الأفئدة، فتُحبس الأنفاس خلف جدرانٍ خرساءَ لا تسمع ولا ترى، عاجزة لا تعي ما يدور حولها.
الأرض تشتكي إلى السماء، وهي تشهد السلام يُذبح، قائلة: انظري أيتها السماء، ماذا فعل أبنائي بي؟ لقد أدموا كبدي، وأصبحت أتجرع المرارة وأكابد ألم الفقد كل يوم، وهم يرونني أتوجع من فرط الأسى.
لقد خُلقوا من ترابي، وكل ذرة منه شاهدة على حبي لهم؛ حملتهم على ظهري أحياءً، وأويتهم في بطني أمواتًا، واحتضنتهم بحناني؛ لأُبعد عنهم وحشة الأيام.
تحملت اختلاف ألوانهم وألسنتهم ومعتقداتهم، وتجاوزت عن فوارقهم، وبسطت ذراعيَّ لاحتضانهم كإخوةٍ.
أنجبت لهم إخوةً؛ ليكونوا لهم قدوةً؛ صالحًا بعد صالح، فمنهم من آمن واتبع، ومنهم من كفر وتولى.
أجدد العهد معهم كل يوم.
أنا بيت الوحشة، أنا بيت الغربة؛ رجاءُ الإنابة والرجوع إلى الحقيقة والحق.
أظهر لهم عجائب القدرة والملكوت، وأحذرهم بغضب الطبيعة من براكين وأعاصير وكوارث، فما زادهم ذلك إلا عنادًا وتجبّرًا.
فتجيب السماء: هوني عليك أيتها الأرض، فما يحدث فيك ليس غائبًا عنا، بل هو رَقٌّ منشورٌ في كتابٍ لا يغادر صغيرة ولا كبيرة.
السلام لا يزال حيًا في قلب كل مؤمن؛ فالمؤمن أمانٌ، والمسلم سلامٌ.
أنتِ، أيتها الأرض، قوية بأبنائك البررة الأوفياء الذين يدركون أن الابتلاء سُنة في الصالحين؛ لتمييزِ الطيبِ من الخبيثِ.
اخلعي ثوب الحداد، فهو لا يليق بك. قال تعالى: ﴿فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت: 11].
أنتِ على وشك ولادة جديدة.
ألا ترين السماء قد تزينت والحور قد أشرقت بقدوم مولدِك المبارك. أزهري، وأخصبي، وأينعي ثمارك، واملئي الدنيا فرحًا، فوعد السماء آتٍ، ولسوف يعطيك ربك فيرضيك.
قال تعالى:
﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء: 105].











