في سورة النور.. ضبط الحواس يوقد النور في البيوت
تتعدى أهمية النور في البيوت البعد الوظيفي إلى الجمالي. يوفر البعد الوظيفي الضياء في كل أرجاء البيت مما يسهل الانتقال والحركة وممارسة الأعمال بين أرجائه بيسر وسهولة. أما الجمالي فيتجلى في التوزيع والتنوع والشدة والعتمة والدفء الذي يمنحه.
إن نور الله الذي يملأ السماوات والأرض يتسلل للنفوس وللبيوت التي تذكره وتسبح بحمده آناء الليل وأطراف النهار، فيجعل لها عبقًا ومكانةً ورفعةً ما دامت حواسها تسير في الاتجاه ذاته.
فمن يتأمل سورة النور فسيرى أنها ترسم ملامح أهمية السيطرة على الحواس بصفتها الأدوات التي توقد النور أو تطفئ شعلته في البيت والمجتمع.
تحدثنا الآيات الأولى عن رمي المحصنات، وكيف يتحول فيها اللسان إلى مشرط تشريح واتهام وسب يوغل في الاستباحة وتناول الآخرين من غير دليل واضح أو شهادة بينة، وهو ما قد يتحول إلى قضية اجتماعية تهز أركان المجتمع وتسبب الخصام والتراشق «حادثة الإفك».
أما الآيات التي تتحدث عن «الإفك» فتعيد توجيه البوصلة والانتقال إلى وظيفة السمع، الذي قد يتحول إلى أداة تعيد نشر الافتراءات والكذب، «الظلام المعنوي»، خصوصًا إذا اقترن ذلك بسوء الظن أو بعض الأمراض النفسية.
الآيات تقدم علاجًا تربويًا يمنع انتشار الكذب والفتنة والتعدي على الآخرين وبيوتهم. فليس كل ما نسمعه صحيحًا بالضرورة. أما إن غلبت الشواهد الوجدانية، وعلت نسبة الصدق عليه، فحسن الظن بالآخرين، والاعتقاد بنقاء سرائرهم يطفئ نائرة الفتن ويقطع سبيلها.
﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ﴾ [النور: 12]
أما ما بعدها من الآيات فينتقل إلى الحديث عن أهمية الاستئذان وضرورته حين يتعلق الأمر بالبيوت المسكونة بالبشر والأرواح القدسية. فالاستئذان ضبط للنفس عن التعدي والاقتحام، والسلام إشعار بالحضور، وتنبيهٌ للاستعداد، وحاجز للسمع والبصر عن العبور في بيوت الناس والتقاط أسرارهم وبواطنهم.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [النور: 27-28]
ثمة علاقة قوية بين البصر والنور، فمن دون النور تتلاشى وظيفة البصر. لكن قد تتحول إلى علاقة عكسية عند الكلام عن النور المعنوي، فغض البصر عن عورات الناس هو الذي يوقد النور ويزكي الأنفس.
﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ [النور: 30]











