الإنسان والأرض … إصلاح أم إفساد؟
نريد أن نتحدث هنا عن دور الإنسان في إفساد أو إصلاح الأرض على ضوء الآية الشريفة: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ [البقرة: 30]. نحن الآن في زمنٍ تتسارع فيه الأزمات البيئية والغذائية، وتتشابك فيه مشكلات المناخ والطاقة والموارد، حتى إنه لم يعد من الحكمة أن يكتفي الإنسان بالنظر إلى الأرض كونها مخزنًا خلقه الله له ليستهلكها، من دون أن يستعمرها. حق له أن يتعامل معها باعتبارها نظامًا حيًّا يحتاج إلى عناية دائمة وإصلاح واستقرار. ولعل من أبسط صور الإعمار في الأرض هو أن يبدأ الإنسان باستصلاح ما يتمكن من السيطرة المباشرة عليه؛ مثلًا بفناء بيته وحديقته الصغيرة.
وفي الأماكن ذات النطاق المسموح به، يمكن زراعة جزء من الأرض، وتربية بعض الدواجن، والاهتمام بالبقر والمواشي، على ألا تكون هذه مجرد نشاطات موسمية عبثية بغرض التسلية وتبديد المال والتخلص من الروتين. أولى لنا أن نتخذها تدريبًا عمليًا في إطار المحاولة الجادة الواعية لإعادة بناء جسور الوثاقة بين الإنسان والطبيعة الحرة. إن هذا السلوك الحضاري الهادف يذكر الإنسان بأن الغذاء المتوفر اليوم بكثرة وتخمة مخيفة في الأسواق، هو واقعًا لم ينشأ ولم يستحدث من العدم. الحقيقة إنه بدأ من تفاعل مرير بين جهد الإنسان مع التربة والماء والشمس، جهد الكائن الحي الذي يزرع ويرعى ليضمن لقمة عيشه. من المؤسف أن يفتقد الإنسان الحديث الإحساس بالتقدير والامتنان لذلك المجهود البشري الضخم للآباء والأجداد، نظرًا لكثرة الخيرات من حوله. لقد أصابته حمى تبلد الحواس في مقتل فلم يعد قادرًا على تخيل يوم قد يصارع فيه من أجل الحصول على الغذاء والدواء. هل هو يمتلك مقومات الاستعداد لمناطحة الأيام العصيبة؟ إن الحضارة التي تنسى علاقتها بالتربة والماء ستفقد شيئًا من توازنها الداخلي، بينما الحضارة التي تحافظ على هذا الرابط ستبقى أكثر قدرة على النمو والاستمرار.
إن أرخيت العنان إلى تمعن من هذا القبيل فإنه سيقودك إلى سؤال أعمق من مجرد الزراعة وتربية الدواجن، إلى منحنى آخر أعظم هولًا! كيف كانت حالة الأرض قبل ظهور أول إنسان عليها؟ تخيل ماهية الأرض خالية من جنس البشر. هل كان وجود الإنسان وقتئذٍ «بقدرة الله تعالى ومشيئته» إضافة أدت إلى إصلاح هذا الكوكب، أم أنها حملت في طياتها من التغييرات ما جعل ”المسكن“ أقل توازنًا وأكثر خرابًا مما كان عليه، قبل المداهمة الإنسانية؟
إذا ما عدنا إلى التاريخ الجيولوجي للأرض، سنجد أن كوكبنا الأزرق الأخضر «نسبة للماء والزراعة» قد عاش ملايين السنين قبل ظهور الإنسان القديم. عندها كانت الغابات تمتد على مساحات شاسعة، والمحيطات تعج بالحياة المتنوعة، والأنظمة البيئية تعمل وفق توازنات دقيقة نشأت عبر التطور الطبيعي ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: 14]. لم تكن ساعتها هناك أي مصانع ولا مدن ضخمة ولا استهلاك متسارع للموارد الطبيعية. كانت ”البسيطة“ بكرًا تسير وفق قوانينها الخاصة؛ ولادة وموت، افتراس وبقاء، تجدد وانقراض. بهذا المدلول كانت الأرض مستقرة ضمن نظامها الفطري، وإن لم يكن ذلك التوازن خاليًا من الصراعات البيولوجية المتعاقبة.
لكن ما إن استوعبت الأرض بزوغ فجر الإنسان عليها، حتى أدخل هذا الضيف الجديد إلى نظام اليابسة المستقر تغيّرات في معظمها كان إفسادًا، وإن عنونه هو ونمقه تحت طائلة الإصلاح ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم: 41]. فهو لم يكن مجرد كائن آخر يضاف إلى سلسلة الموجودات، فلقد كان مزودًا بقدرة عقلية إدراكية استيعابية غير مسبوقة. قدرة الإنسان على التفكير المجرد، التخطيط، الإبداع وتغيير البيئة المحيطة به على نطاق واسع، بما يضمن راحته وسلامته ورفاهيته، وإن اقتضت ”الضرورة“ تمكين الإفساد في الأرض. زراعة وبناء مدن واستغلال طاقة، هكذا أخذ تأثير الإنسان في الأرض يتسع تدريجيًا حتى أصبح هو قوة جيولوجية حقيقية قادرة على التحكم بالمناخ وعلى هندسة التنوع الحيوي.
يمكن القول إن الأرض قبل الإنسان كانت أكثر توازنًا بيئيًا؛ إذ لم تكن هناك انبعاثات صناعية ولا تلوث واسع النطاق ولا استنزاف سريع للموارد الكونية. ومن جهة أخرى، فإن الإنسان نفسه كان ولا يزال جزءًا من هذا الكون وتحديدًا من هذا الكوكب، وقد منحه الله سبحانه وتعالى العقل والقدرة على الفهم والتدبير، دونما غيره من الموجودات الأخرى. فإن هو أحسن استخدام هذه القدرة، رسخ مبدأ أن يكون عنصر إصلاح لا عنصر إفساد، وإلا فلا.
يبقى السؤال، هل كانت الأرض قبل الإنسان أفضل أم أسوأ؟ الأرض كانت مختلفة، تسير وفق نظامها الطبيعي. أما الإنسان فقد جلب معه إمكانين متعاكسين: إمكان التخريب وإمكان الإصلاح. والنتيجة النهائية تتوقف على الخيار الذي يتبناه الإنسان في تعامله مع هذا الكوكب الذي يعيش عليه. ويا للأسف، إنه ليتملكنا الحزن والأسى ونحن نقر بأن الإنسان على مر العصور قد أفسد أكثر مما أصلح، والشواهد على ذلك أكثر من أن تُحصى. تصحر، تسخين حراري، تلوث بيئي، تدمير الأوزون، انبعاثات الكربون، نفايات نووية، ملوثات كيميائية وغيرها الكثير.
إن العناية بالأرض من خلال إعمارها ﴿هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ [هود: 61]، ولو في أبسط صورها داخل فناء بيتك، مثلًا، قد تكون بداية موفقة لفهم أدق لدور الإنسان في الأرض. أن الإنسان ليس سيد الطبيعة المطلق فحسب، بل إنه كذلك جزء منصهر متكدّس في صميم نظامها، وهو بذلك مسؤول عن حفظ توازنها وجمالها وضمان استمرارية عطائها للأجيال القادمة.











