آخر تحديث: 12 / 4 / 2026م - 11:04 م

حكمة سقراطية

رائدة السبع * صحيفة اليوم

ليس أكثر استنزافًا من خصومةٍ لا ضرورة لها، ولا أكثر عبثًا من نزاعٍ لا يورّث إلا خصومات جديدة. ومع ذلك، يدهشني كيف يجد البعض متّسعًا من الوقت والطاقة لخوض معارك يمكن - بشيء من التعقل - تفاديها. وهنا يبرز السؤال الجوهري لكل من يفتح باب خلاف أو يعلن حربًا: هل أنت مستعد حقًا لما سيأتي بعدها؟

نحن نجيد التعرّف إلى الناس في أوقات الصفاء، لكننا نخطئ حين نظن أن تلك الصورة مكتملة. فالحقيقة غالبًا ما تتكشّف في لحظات الاحتكاك، حين تسقط الأقنعة اللطيفة، ويظهر وجهٌ آخر لم نألفه.

عزيزي القارئ، قبل أن تنخرط في أي مواجهة، اسأل نفسك بوضوح لا يحتمل المواربة:

هل أنا مستعد لاستنزاف وقتي، وفكري، ومشاعري، ومالي؟

هل أملك تصورًا حقيقيًا لردّة فعل الطرف الآخر؟

هل أحتمل معركة قد تطول أيامًا.. أو تمتد لسنوات؟

الاعتقاد بامتلاك الحقيقة المطلقة لا يصنع قوة، بل يعزل صاحبه؛ إذ يغيب معه التواضع، وتضيق مساحات الفهم، فنخسر القدرة على التواصل. فمهما ظننا، لن نحيط بالآخر إحاطة كاملة.

ومن واقع تجربةٍ لا أدّعي تواضعها، لم أبدأ حربًا يومًا؛ لأن سلامي - في مراتب متقدمة دائمًا - أثمن من أي انتصارٍ مؤقت في نزاعٍ عابر.

وقد يُقال: وماذا إن بدأ الآخر؟

الإجابة تختبئ في قول هنري ميللر: «أخشى غضبي، لذلك أبدو لطيفًا ومسالمًا». ذلك لأن الغضب، حين يبلغ جوهره، لا يكون فوضويًا، بل أخلاقيًا؛ يستجيب للظلم، وينحاز للعدل. هو سخطٌ مشروع، إذا وُضع في موضعه الصحيح.

الغضب الأخلاقي هو ذاك الذي يأتي مع الشخص المناسب، وفي الوقت المناسب، بالدافع الصحيح، وبالقدر الذي لا يتجاوز حدّه، وبالطريقة التي لا تفسده. وحين يُدار هذا الغضب برويّة، قد يفضي - على غير المتوقع - إلى احترامٍ أعمق.

دعاة السلام يدفعون ثمن دعوتهم؛ فهم يوقظون، دون قصد، حساسية أولئك الذين يقتاتون على الكراهية. وكأن السلام - في نظرهم - عنصر دخيل على طبيعةٍ ألفت الصراع، واعتادت على الضغينة.

وأخيرًا، نستعير من سقراط مشهدًا بليغًا: حين صاحت به زوجته، ثم سكبت عليه الماء، قال بهدوء: «ما أجملك حين ترعدين وتبرقين.. ثم تمطرين».