فَقْدُ الأَحِبَّة
خلقَ اللهُ سبحانه وتعالى هذا الكون العظيم، وجعلَ فيه شرايينَ الحياة التي تنبضُ بأمره، ولولا هذه الحياةُ التي أودعها اللهُ في خلقه لكان الجميعُ نسيًا منسيًا. وحياةُ الإنسان على هذه الأرض قصيرة، مهما طالت، إذا ما قورنت بالدار الآخرة التي هي دار البقاء.
وقد شرّفَ اللهُ تعالى الإنسان، وكرّمه، وميّزه عن كثيرٍ من مخلوقاته، وجعلَ له من المشاعر والأحاسيس ما يجعله يتأثر، ويحزن، ويفتقد، ويتألم عند الفقد والرحيل. ومن طبيعة هذه الحياة أننا نفقدُ الأحبّة تباعًا؛ آباءً، وأمهات، وإخوةً، وأقارب، وأصدقاء، وأناسًا عاشوا معنا الحلوة والمرة، وتقاسموا معنا أيام العمر. ولو أن أحدنا تأمّل قليلًا في السنوات الماضية، لوجد أن عدد الراحلين من حوله كبير جدًا، حتى إن الإنسان قد يعجز أحيانًا عن حصرهم.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه هنا: هل تتوقف الحياة عند رحيل إنسان، مهما كانت مكانته في قلوبنا، قريبًا كان أو بعيدًا؟
الجواب: لا، فهذه سنةُ الله في خلقه. لقد جعلَ الله لهذه الدنيا حياةً وموتًا، ولم يجعل فيها الخلود لأحد من البشر. قال الله تعالى:
﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران: 185].
ومن هنا يأتي الحديث عن الموقف الذي ينبغي للإنسان أن يقفه عند فقد الأحبّة.
صحيحٌ أن الناس يتفاوتون في تلقي الصدمات، ويختلفون في قوة التحمل عند وقوع المصائب، ولكن يبقى الجامع بين الجميع هو ضرورة التسليم لله تعالى عند حدوث البلاء، والصبر على ما قدّره الله.
ومع ذلك، لا بد من فهم أمر مهم، وهو أن الحزن في بدايته أمرٌ طبيعي، بل هو شعورٌ إنساني لا يمكن إنكاره أو تجاهله، ولا ينبغي لأحد أن يلوم نفسه على حزنه، كما لا ينبغي للآخرين أن يلوموا من لا يستطيع تحمّل مثل هذه المصائب، خاصة إذا كان الفقيد قريبًا جدًا.
وفي المقابل، قد ترى من الناس من يبدو ثابتًا، صابرًا، واقفًا كالجبل عند وقوع المصيبة، لا يظهر عليه الانكسار، ولا يطيل الوقوف عند الحزن، وهذا لا يعني أنه لا يتألم، بل قد يكون في داخله ألمٌ عظيم، لكنه يملك قدرة أعلى على التماسك والثبات.
وهنا يجب أن ندرك أن هاتين الحالتين كلتاهما طبيعية؛فمن حزن وتأثر، ومن صبر وثبت، كلاهما في دائرة الصواب، ولا يُلام أحدهما على حاله، فالنفس البشرية تختلف في قدرتها على التحمل.
ويبقى المهم أن لا يتحول الحزن إلى ما لا يرضي الله، ثم يمضي الإنسان في طريقه مستعينًا بالصبر.
وعلينا نحن، سواء كنا قريبين أو بعيدين عن صاحب المصاب، أن نقف معه، وأن نسعى جاهدين للتخفيف عنه، لا أن نكون عبئًا إضافيًا عليه.
فالفاقد يمر بمرحلة حساسة، يحتاج فيها إلى وقفة صادقة، وكلمة طيبة، وحضور يخفف عنه، لا إلى من يزيد عليه الألم أو يطالبه بما لا يطيق.
فمثل هذه المواقف لا تحتمل القسوة في الطرح، ولا المبالغة في التوجيه، بل تحتاج إلى قدرٍ عالٍ من الرحمة والتفهم، وأن نضع أنفسنا مكانه قبل أن نحكم أو نوجّه.
وقد يكون موقفٌ واحد صادق، أو كلمةٌ طيبة في وقتها، سببًا في تخفيف ألم كبير، بل وقد تبقى في ذاكرته سنوات طويلة لا ينساها.
وصحيح أن الفقد لا يفرّق بين صغير أو كبير، أبًا كان أو ابنًا أو قريبًا، فالألم حاضر في كل حال، لكن يبقى لفقد الأبناء وقعٌ خاص في النفوس، وحالة إنسانية شديدة القسوة، لما فيه من كسر للفطرة، وألم لا يوصف، ومع ذلك فهو ابتلاءٌ عظيم يُؤجر عليه الصابر.
وفي النهاية، يبقى الفقد جزءًا من هذه الحياة، نمرّ به جميعًا، ويذكّرنا بحقيقتنا التي قد نغفل عنها وسط انشغالاتنا.
فكل راحلٍ كان يومًا بيننا، يشاركنا الحياة، ثم مضى بأمر الله، ليبقى الأثر، وتبقى الذكرى، ويبقى العمل.
وهنا يكون الاتعاظ الحقيقي؛ أن ندرك أن هذه الدنيا ممر لا مقر، وأن ما نملكه اليوم قد نفقده غدًا، وأن الإنسان لا يُبقيه بعد رحيله إلا عمله الصالح، وذكره الطيب، وأثره فيمن حوله.
فلنحرص على ما ينفعنا، ولنحسن إلى من حولنا، ولنكن قريبين من بعضنا في أوقات الشدة، فربما يأتي يوم نكون نحن من نحتاج فيه إلى من يخفف عنا.
رحم الله من فقدنا، وربط على قلوب من فقدوا، وجعل الصبر نورًا لهم، وجعل لنا جميعًا نصيبًا من الرضا والتسليم.











