سؤال يتيم
في كل مرة نسمع فيها خبر رحيل أحدهم فلا يتأخر السؤال…
يصل قبل وصول الجثمان أحيانًا وقبل مواراة المتوفى ويسبق حتى الأسى وحرارة الفقد وأحيانًا يسبق كل شيءٍ منذ اللحظة الأولى لانتشار الخبر:
كيف مات؟
أكان مريضًا؟
أم حادثًا؟
أم فجأة بلا مقدمات؟
يقال وكأن الجواب سيعيد ترتيب الفقد، أو يخفف وطأته، أو يمنحنا شيئًا نتشبث به كي لا نسقط دفعةً واحدة أمام حقيقة لا تقبل التبديل… وكأن الإجابة قادرة على أن ترجع ما غاب أو من فقدناه.
تتعدد الأسباب… والمآل واحد.
﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف -34].
أراقب الوجوه في مجالس العزاء فأجد ملامح تسير في اتجاهين، ”وجه يحاول استيعاب الرحيل“ ”ووجهٌ آخر يغوص في تفاصيله“.
الأول يبحث عن معنى، والثاني يفتّش عن سبب.
وكأن الإنسان حين تضيق به الحقيقة يجزئها حتى تصبح قابلة للاحتمال.
”كان مريضًا؟“
”حادث؟“
”سكتة؟“
تتوالى الأسئلة كأنها خيوط تحاك منها حكاية ترضي فضولًا قديمًا في داخلنا لا لنحيي الفقيد ولا لنربت على قلوب أهله… وإنما لنهدّئ ارتباكنا نحن.
نحن لا نسأل عن الموت… —ولنا في الموت واعظًا — نحن نسأل عن موقعنا منه.
نسأل الله حسن الخاتمة والثبات ونبحث بين الإجابات عن طمأنينة خفيّة.
هل يمكن أن يحدث لنا بهذه الطريقة؟
هل يسبقه إنذار؟
هل كان مفاجئًا؟
هل كان يمكن دفعه؟
وحين يصل الجواب نشعر براحة سريعة كأننا أغلقنا نافذة تسلل منها برد مفاجئ… ثم نعود إلى يومنا وكأن الحدث مر من جانبنا ولم يمسنا.
الموت — في كل حالاته — لا يحتاج إلى تفسير.
لا ينتظر تقريرًا طبيًا ليقنع أحدًا ولا يتأخر لأننا لم نستوعب بعد ولا يمنح مهلة إضافية لإنهاء ما في أيدينا.
هو الحقيقة الوحيدة التي لا تتبدل مهما اختلفت طرق الوصول إليها.
ومع ذلك… نُصرّ أن نمنحه تفاصيل ونحيطه بأسئلة ونلبسه حكاية كأننا إن فهمنا كيف جاء تأخر قليلًا عنا.
أتذكر رجلًا سمع بخبر وفاة شخص لا يعرفه فسأل فورًا:
”كم عمره؟“
قيل له خمسون.
فقال ”إنا لله… بعده شباب.“
لم يكن في قوله قسوة لكنها محاولة هادئة لرسم مسافة بينه وبين المصير ليقنع نفسه أن الوقت لم يحن بعد وأن الطريق لا يزال ممتدًا أمامه.
نحن نفعل ذلك كثيرًا… بطرقٍ أكثر لطفًا وبعبارات تبدو أكثر اتزانًا.
نحوّل الرحيل إلى قصة لها بداية وتفاصيل ونهاية حتى لا نراه كما هو، حقيقة مجرّدة لا تحتاج إلى شرح.
وفي خضم هذا كله… يغيب السؤال الأهم دون أن ننتبه
ذلك الذي كان بيننا بصوته وبحضوره وبملامحه التي كانت تُكمّل المشهد… ماذا بقي منه فينا؟
نسأل عن سبب الرحيل ولا نسأل عمّا تركه.
نسأل عن اللحظة الأخيرة ولا نلتفت إلى السنوات التي سبقتها.
نسأل عن الكيفية ونُهمل الحكاية.
وربما الأجدر في مثل هذه اللحظات أن يتبدّل السؤال إلى:
ماذا كان يعني لنا؟
كيف كان يملأ تفاصيل أيامنا؟
وأين سنضع هذا الغياب الآن؟
أم أنها العادة فترة وننسى!
هذه الأسئلة لا تشبع فضولًا… لكنها تنضج الفهم وتعيد ترتيب ما في الداخل بهدوء أعمق.
أما السؤال الأول… ذاك الذي يتكرر دائمًا فسيبقى كما هو:
سؤال يتيم…
لا يغيّر شيئًا ولا يضيف شيئًا سوى أنه يمنحنا وهمًا خفيفًا بأن الأمور ما زالت تحت سيطرتنا… بينما الحقيقة تمضي في طريقها دون أن نلتفت.











