بين المنجل والكاميرا.. الإنسانية هي المعيار
في السنوات الأخيرة أخذت عدسات المشاهير تتجه نحو الورش الصغيرة والحقول البعيدة، نحو النجّار الذي يقطع يومه بين الخشب ورائحته، والفلاح الذي يقرأ الفصول بحدسه، والصياد الذي يحاور البحر، والحداد الذي يصنع من النار معنى. بدا المشهد وكأن عالم الشهرة اللامع يبحث فجأة عن جذوره، عن شيء يشبه الحقيقة التي ضاعت وسط الأضواء والابتسامات المصطنعة. وهكذا صار أصحاب الحرف البسيطة مادةً لافتة، تُنقل عنهم الحكم، وتُقتنص منهم الجمل العفوية، وتُقدَّم حياتهم كأنها اكتشاف جديد.
هذا الانجذاب ليس بريئًا تمامًا ولا مريبًا تمامًا؛ إنه ظاهرة تقف في منطقة رمادية، تتداخل فيها النوايا الصادقة مع الرغبات المبطّنة. فالمشهور الذي يعيش في عالم مصقول قد يشعر بأن صورته فقدت شيئًا من صدقها، فيلجأ إلى الحرفيّ ليعيد إليها ملمسًا إنسانيًا. وربما يحاول أن يثبت لجمهوره أنه ما زال قريبًا من الناس، أو لعلّه فقط يركض خلف موجة اجتماعية جديدة تفرضها المنصّات. ومع ذلك، لا يمكن تجاهل أن هذا الاقتراب يمنح الحرفيين مساحة لم يحظوا بها من قبل؛ إذ يخرجون من الظل إلى الضوء، وتُروى قصصهم التي كانت حبيسة الورش والحقول.
لكن الوجه الآخر للظاهرة يظل أكثر حساسية. فحين يدخل المشهور إلى عالم الحرفيّ، يدخل وهو يحمل كاميرته، بينما يدخل الحرفيّ وهو يحمل صدقه. هنا يبدأ الخلل. فالكلمة التي يقولها الحرفيّ بعفوية قد تتحوّل إلى محتوى يُستهلك، والصورة التي تُلتقط له قد تصبح مجرد خلفية شاعرية تُستخدم لتلميع صورة شخص آخر. وفي بعض الأحيان، يُختزل الإنسان في لقطة، وتُختزل تجربته في جملة، ويُختزل جهده في مشهد لا يعكس عمق حياته ولا تعب يديه.
وهكذا تبقى الظاهرة معلّقة بين النبل والاستغلال. قيمتها تُقاس بقدر ما يُحترم فيها الإنسان، لا بقدر ما تُحقّقه من مشاهدات. فإذا خرج الحرفيّ مكرّمًا، مُقدَّمًا كما هو، فإن اللقاء يصبح فعلًا إنسانيًا جميلًا. أما إذا استُخدمت بساطته كوسيلة، فإن الضوء المسلّط عليه يتحوّل إلى أداة استهلاك لا أكثر.
وفي النهاية، يبقى السؤال موجّهًا إلى من يحمل الكاميرا: هل جئت لتتعلّم من هذا الإنسان، أم جئت لتتزيّن به؟ أما الحرفيّ، فهو لا يحتاج سوى أن يُرى بكرامة، وأن يُسمع صوته دون أن يُختزل في صورة عابرة. بين المنجل والكاميرا، تظل الإنسانية هي المعيار الوحيد الذي يكشف صدق النوايا.











