آخر تحديث: 15 / 4 / 2026م - 11:19 م

حرب الأربعين يوماً... «حرب السرديات» الكبرى!

ميرزا الخويلدي * صحيفة الشرق الأوسط

تعلَّمنا من هذه الأزمة الخطيرة التي عصفت بالخليج أن الحروب لا تُخاض بالسلاح فقط، بل بالسرديات أيضاً، حيث تتصارع الروايات لتشكيل وعي الجمهور وتوجيه مواقفه. واجهنا خلال حرب الأربعين يوماً حرباً مستعرة على كل الجبهات... لكن واحدة منها كانت جبهة السرديات، حيث أصبحت هذه الحرب تُخاض عبر وسائل الإعلام والفضاء الرقمي بشكل موازٍ للحروب العسكرية في الميدان؛ بهدف السيطرة على العقول وتشكيل الحقيقة المتصورة عبر إعادة صياغة المعلومات والتلاعب بها.

من يمتلك السردية، يمتلك الميدان..! هذه هي الحقيقة؛ لأن السردية تُشكّل الوعي وتُعرّف القيم بل وتصوغها أيضاً: القدرة على بناء سرديات متماسكة أهمّ من الحقائق المجردة. فالسردية ليست مجرد أداة قوية للتأثير في الرأي العام، وإضفاء الشرعية على القوة الصلبة، بل هي أيضاً الذاكرة الجماعية للمجتمعات وللأجيال.

كانت حرب الأربعين يوماً اختباراً قاسياً لنا في الخليج خصوصاً، ففي الوقت الذي تنهال المقذوفات المتفجرة على مكامن الاقتصاد الوطني، وعلى المرافق العامة، وتنشر الرعب والخوف، كانت بعض السرديات السائدة في الفضاء العام تمنحها تبريرات أخلاقية بدعوى مقاومة «الإمبريالية الأميركية» و«المشروع الصهيوني».

كانت سطوة «البروباغندا» أشدّ صرامة من قسوة العدوان نفسه. العدوان حين تُجرّده من سرديته الأخلاقية يصبح عارياً ومكشوفاً، لكن حين يتلبس بالمثل الأخلاقية يصبح شيطاناً. وعبر تلك «البروباغندا» جرى الاستحواذ على عاطفة الشارع الذي يميل غالباً للسرديات «البطولية»، مما يجعل أي محاولة من المثقف لتسليط الضوء على الانتهاكات التي تستهدف بلاده، تبدو في نظر البعض كأنها «تماهٍ مع السردية الأميركية».

وجد المثقفون الخليجيون أنفسهم في مواجهة الطوفان! البعض اشتغل بتفكيك السرديات، ولدينا ثلة من المثقفين يمتلكون الأدوات المعرفية لتفكيك «حرب السرديات»، وكشف تناقضاتها، وتتبع الفجوة بين الخطاب الآيديولوجي، والممارسات الجيوسياسية على الأرض.

بعض النجاح تحقَّق، وإن كان الصوت المناوئ أكثر ارتفاعاً، لكن الرهان الحقيقي أن المواقف العاطفية المسكونة بهاجس البحث عن البطولات عمرها قصير وفي انحسار؛ لأن الجمهور المتعطش للانتصار يصبح أكثر إحباطاً حين يرتطم بالواقع.

ومع هذا الأداء المتوفق للمثقفين، وجدنا أن كثيراً من المثقفين والإعلاميين وقعوا في الفخّ! أرادوا الدفاع عن بلدانهم بعاطفة صادقة، ولكن بوسائل لا تخدم الهدف. وجدنا طرحاً عبر وسائل الإعلام يقوم بتسطيح الوعي، وبعدم الموضوعية مع خفّة في الأداء، والأكثر من ذلك أن مثقفين وإعلاميين راحوا يثيرون الزوابع والانقسامات والاشتباك غير الضروري مع الفئات المختلفة محلياً وعربياً، مما أدى إلى انزلاق الخطاب من «التحليل الرصين» إلى «التحشيد التعبوي» المنفّر والمثير للانقسام والإحباط، وهو الخطاب الذي يدفع الجمهور تلقائياً للبحث عن سرديات متماسكة وذات قالب عاطفي، فضلاً عن أن الهجوم غير المبرَّر يدفع الطرف الآخر للاحتماء تحت مظلة السرديات المناوئة.

وإذا كنا سنتعلم من هذه الحرب شيئاً، فإنه ليس كافياً أن نمتلك المنطق لنكسب ونبني سرديتنا المتماسكة والواضحة، بل المهم أيضاً أن تحظى هذه السردية بأداء قوي يجعلها أكثر قدرة على المجادلة والإقناع، فالتفوق في مثل هذه الأزمات ليس لمن يملك الصوت الأعلى والحجج الواهية والأسلوب الهجومي المرتبك والمنفّر، بل لمن ينجح في تفكيك خطابات التعبئة الآيديولوجية وكشف احتيالها، النجاح في قدرة أولئك المحاورين على كسب الشارع لا قهره وتنفيره وتحطيم معنوياته وكسر مسلَّماته الفكرية... النجاح في أن تكسب أصدقاء جدداً لبلدك لا استعداء الآخرين ودفعهم نحو الزاوية. لدينا من الحجة والمنطق ما يكفي لانتزاع اليقين، لكنها تبحث عمن يترجمها... فكما يقول الجاحظ: «المعاني مطروحة في الطريق «..» وإنّما الشأن في إقامة الوزن، «..» وفي صحّة الطبع وجودة السّبك».