آخر تحديث: 15 / 4 / 2026م - 11:19 م

قاعدة ذهبية في تربية النفس

حكيمة آل نصيف

ورد عن الإِمَام الصَّادِق : «يَا بُنَيَّ، إِيَّاكَ وَالْكَسَلَ وَالضَّجَرَ، فَإِنَّكَ إِنْ كَسِلْتَ لَمْ تُؤَدِّ حَقًّا، وَإِنْ ضَجِرْتَ لَمْ تَصْبِرْ عَلَى حَقٍّ» [ميزان الحكمة ج 3 ص 114 ].

يقدم لنا الإمام الصادق قاعدة ذهبية في مفهوم تربية النفس وصناعتها وفق أسس القوة والاقتدار والحضور الفاعل، وذلك من خلال الإشارة إلى تلك الآفات الخفية والموانع التي تقوض عمل الإنسان ومساره على المستوى الفردي والمجتمعي، فالآفة الأولى هي الكسل بمعنى التخلي عن المسؤوليات والواجبات المترتبة على مسير الإنسان الوجودي والإنجازي، فالتهاون عن أداء المهمات موقف سلبي يتخذه الفرد بعد أن تضعف إرادته عن إثبات وجوده بأي خطوة أو فعل، فقد أودع الله تعالى في الإنسان من الطاقات ما يسعفه ويسانده على تحقيق أهدافه في الحياة على مستوى مختلف جوانبها، ولكنه، بروح التكاسل، يعطل تلك الطاقات المودعة فيه ويختار طريق الدعة وحياة الفراغ وتضييع الأوقات، فإن الله تعالى خلق الإنسان ليكون خليفة له في الأرض من خلال إعمارها وتنميتها، فالإنسان، في النظرة الدينية، مكلّف بالعمل التنموي ولا تتحقق فيه سمة التكامل والرقي إلا بالفعل والعمل، ومن تلك الآثار السلبية للكسل تضييع الحقوق والاستحقاقات المترتبة على وجود الإنسان، سواء على مستوى علاقته بالله تعالى المعنونة بالعبادة الواعية وخط سير التقرب بالطاعات، أو على مستوى حقوق الناس، فالعلاقات الإنسانية تبادلية في العطاء والنفع، أو على مستوى الجناية على نفسه بتعطيل مسيرها في الارتقاء والتقدم وتنمية المهارات المختلفة.

وأما الآفة الأخرى فهي الضجر بمعنى ضيق الصدر والتململ السريع مع الشروع في أي عمل أو مشروع، فما إن يشرع في فكرة أو خطوة في مشروع معين حتى تداهمه آفة الضجر وعدم القدرة على التحمل في إكمال الخطوات والمراحل اللاحقة، فالنَّفَس الطويل وتحمل المتاعب المصاحبة لأي عمل نقدم عليه هو صمام الأمان والعنصر الأساسي في الاستمرارية والتقدم حتى بلوغ المراحل النهائية، فالضجر ينسف تلك المبادئ والقيم التي يؤمن بها الفرد، ويخلق فجوة وانفصامًا بين عالم نظري يحلم فيه بالكثير من الغايات، وبين أرض الواقع الذي يعجز فيه عن الثبات والصمود أمام العقبات ومواجهة التحديات والأزمات المختلفة، ولذا فإن الإمام يربط بين الضجر وفقدان الصبر على الحق والمثابرة في تحقيق الذات، في إشارة دقيقة إلى أن الحق والمجد والإنجاز لا ينال إلا بالتحمل والإرادة القوية والأفق المتطلع إلى مستقبل يغتنم ساعاته ويعمره بما يكون هوية وعنوانًا لشخصيته من أعمال تطبيقية وإنجازات تثبت جدارته واقتداره.

وهذه الحكمة النيرة تدعو إلى التوازن بين الفعل وتحمل المتاعب والمشقة المصاحبة له والاستمرارية فيه حتى بلوغ مرحلة النهاية وظهور النتائج المرجوة، فالحياة الأخلاقية تتطلب من الإنسان أن يكون فاعلًا «ضد الكسل» وصابرًا «ضد الضجر»، وهذا التوازن يشكل أساس بناء الشخصية المتكاملة التي لا تكتفي بالنية الحسنة، بل يترجمها إلى عمل على أرض الواقع، ولا تنهار أمام العقبات أو تضعف الإرادة بسبب ظهور مشكلات، بل تصبر وتثابر.