جمالياتُ السَّرد وتِقنياتُ القَص
في مجموعةِ «خيانة ورق» للقاص عبدِ الباري الدَّخيل..
يمارسُ الكاتب عبدُ الباري الدَّخيل في مجموعتهِ ”خِيانة ورق“ الدخولَ والخروج إلى أجزاءِ الحياة وتفاصِيلها، إذ لا يكتفِي بالبقاءِ في الغرض الاجتماعِي وإنْ استحوذ على أغلبِ النصوص؛ ك ”خيانة ورق - أنت وحدك هنا - بابا العظيم...“، فيتجه لمقاربةِ الذات والأمنياتِ ”صراع الأمنيات“، وقد يتجاوزُ إلى ”القمحة“ وحيَاتها ”مذكرات رغيف“، وصولاً إلى الخيالِ العلمي عبرَ حديثه عن التلوُّث والحجرِ الصحي ”نور مسموم“.
التَّنوعُ الكبير في الموضوعاتِ سمة المجموعةِ وأبرزُ ما فيها، فالموضوعاتُ متناثرة بشكلٍ عشوائي وكأنَّها الحياة نفسُها، حيث التداخُل والتمازُج بين الإنساني والاجتِمَاعي والعلمي والخيَالي.
الكاتبُ لا يكتفي بذكرِ الموضوعات ومقاربتِها من البعيد، حيث يتعمَّد ذكر تفاصيلِ التفاصيل، إذ يستخدمُ الوصف باعتِبَاره مدخلاً يلج منه إلى الموضُوع، ورغم أنَّ الاكتفاء بالعبارةِ المباشرة يوصِل إلى الهدَف؛ إلا أنه آثر الاستمتاعَ باللغة وإمتاعَ القارئ معه، كَما في «شمعة لا تبصر الطريق»: ”زهراء فتاة ناعمة مجتهدة، ونشيطة، من أسرة متوسطة الحال، والدها يعمل شرطيا في إدارة المرور، وهي آخر العنقود بين إخوتها، ربطتها مع سارة صداقة منذ الصغر، فهي زميلة الدراسة الابتدائية، ورفيقة الدرب من البيت إلى المدرسة والعكس، بعد رفقة دامت أكثر من ست سنوات، انتقلت زهراء مع والدها لمدينة أخرى، ولم تنقطع العلاقة، فقد تحول الهاتف لحديقة يجتمعون فيها كل مساء“.
تنويعاتُ الكاتب السَّردية تتواصلُ من خلال استعانتهِ بالشعر وتضمينهِ للأبيات، وربما وصلَ إلى إنشادها والتَّغني بها وبقائِلها، فكأنه يعملُ على تأسيس ذاكرةِ القارئ ومدِّها بما تحتاج إليه من معرفةٍ شعرية وجماليَّة، هكذا ينتقلُ من دورِ القاص الواصفِ للأحداثِ والشخوص، إلى دورِ المتمثِّل للشعر والمتبنِّي لآراء الشُّعراء، كَما في «قلوب لا تعرف الغدر»:
"العفو منك من اعتذاري أقربُ
والصفحُ عن زللي بحلمك أنسبُ"
أو في «جينات مثقفة»:
"ديوان شعري كله غزلْ
بين العذارى بات ينتقلْ"
أو في «شظايا تقاوم الغياب»:
"وإني لأهوى النوم في غير حينهِ
لعل لقاءً في المنام يكون".
كذلكَ استفاد من الآياتِ الكريمة والأحاديثِ النبوية التي مثَّلت توجيهاً آخر لدلالةِ القصة، حيثُ لا يتوقف عند نهايةِ الحكَاية، بل يأتي بما يؤكِّدها من التراثِ الديني، وبذا ينتقلُ من دور القاصِّ إلى دور المربِّي والمصلح، يقولُ في ختامِ «أيتها السماء إنها أمي»: ”وعادت الشمس لتشرق في منزلنا، وصوت عبد الباسط عبد الصمد يردد: «يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين»“.
من شدَّةِ انغماس الكاتبِ في قصصه وتلبُّسه بشخوصها استَولت عليه وغدت تتحدَّث بلسانه، لينتقلَ من أسلوبِ الراوي العليمِ الذي يصف الحدثَ ويسرد الحكايةَ، إلى أسلوبِ الاستبطان وحديثِ الذات؛ هادفاً إلى التعبيرِ عن حالة شعوريَّة ونفسيَّة، حتى تأتي كلماتُه مزدحمة بالمشاعِر؛ ليبوحُ بها للقارئ ناقلاً له الحالة النفسيَّة التي تلبَّسته.
أيضاً اعتمدَ الكاتب على تِقنياتٍ متنوعة للقَص، ففي قصَّة ”راسم الكلمات“ استعملَ صوتين متقابلَينِ للزوجينِ ”زهير - زينب“، إذ أجاد تلبُّس كل شخصيَّة والتحدُّث عنها وصولاً إلى النهاية المتمثِّلة بال ”خسران“؛ حيثُ تنافس الزوجانِ على تعليم بعضِهما ما يبرعانِ فيه، فزينب رسَّامة وزهير شاعِر، أما النتيجةُ فكانت فشل التعليمِ ونقل الموهِبَة.
في قصَّة ”ذكريات صباحية“ استعملَ أسلوب الحكي عبرَ الراوي العليمِ والضمير الغائِب، فمنذ البدايةِ ”تقف فاطمة في المطبخ“، وبعدها يقولُ ”وتعود للمطبخ تعد الشطائر“، ويختتمُ بـ ”ابتسمت وهي تتذكر موسى وأنه أكثر الأولاد مكوثاً في الحمام، حتى اتُّهم بأنه ينام هناك“، وأخيراً تنتهي القصة بعبارةِ: ”حمدت ربها وهي تسمع صوت هادي يحييها: صباح الخير ماما“.
في قصَّة ”أيها البحر.. ما هي الأخبار؟“ استعملَ ذات الأسلوبِ مع إعطاء الشخصيَّة حريَّة أكبر في سلوكها وأفكارها، إذ يمكنُ أن تتحرك بمفردها دون أن يمارسَ أيَّ سلطة عليها، فمنذُ البداية يخبر القارِئ بـ ”من أصعب الأمور حبس الخبر السعيد في الصدر“، ثم يصلُ للعبارة المدخَل ”وهذا ما حصل مع حياة“، ليستمر في سردِ تحركاتها وحيَاتها، وصولاً إلى إخبارِ أخيها بأنه تزوَّج من ”أمل“، لتكونَ ردة فعلِها: ”تركتُهم وتوجهت لحجرتي وأنا أبكي: من أين جاءت أمل هذه لتنافسني في حب أخي؟“، فكأنَّ الحياة توقَّفت وغابت تفاصيلُها وحضرت الذاتُ فقط.












