”ترويض الناقد“.. محمد الحميدي يفكك سلطة النقد ويعيد تشكيل العقل الثقافي
في طرحٍ فكري عميق، يقدّم الكاتب محمد الحميدي عبر كتابه ”ترويض الناقد“ قراءة نقدية متماسكة لواقع الثقافة والنقد في العصر الحديث، ساعيًا إلى إعادة تعريف دور الناقد، وتحرير العقل من القيود التي فرضتها التحولات المتسارعة، خصوصًا في ظل هيمنة وسائل التواصل الحديثة.
ويأتي الكتاب، الصادر بطبعته الأولى مطلع عام 2026، ليطرح إشكالية محورية تتعلق بمصير النقد في زمن السرعة والاختزال، حيث يشير المؤلف إلى أن هيمنة النصوص القصيرة والمحتوى المكثف قد أثّرت بشكل واضح على طبيعة التلقي، وأعادت تشكيل العلاقة بين الكاتب والقارئ، بل وفرضت شروطًا جديدة على العملية النقدية ذاتها.
يتكئ ”ترويض الناقد“ على بنية فكرية متدرجة، تتوزع عبر فصول تحمل عناوين دالة، مثل: العقل النقدي، المثقف المعاق، المثقف الشعبوي، الناقد الأعور، الكسل النقدي، وعقل الناقد، حيث تتكامل هذه الفصول لتشكّل رؤية شاملة حول أزمة النقد المعاصر.
في فصل ”العقل النقدي“، يؤكد الحميدي أن جوهر العملية النقدية ينبع من القدرة على طرح الأسئلة، معتبرًا أن السؤال هو المحرك الأساسي للمعرفة، وأن غياب التساؤل يؤدي إلى جمود الفكر وانغلاقه.
أما في ”المثقف المعاق“، فيطرح مفهومًا صادمًا يربط بين فقدان الاستقلال الفكري وبين نوع من الإعاقة الثقافية، حيث يصبح المثقف تابعًا لا منتجًا. ويؤصل الحميدي لهذه الفكرة بقوله: ”العقل؛ عضو المثقف، الذي يحتاج إليه ويستخدمه، إذ بدونه تنتفي صفة الثقافة، وتزول أسباب الاستقلالية والتفرد“.
ويستمر الطرح النقدي الحاد في فصل ”المثقف الشعبوي“، الذي يكشف فيه المؤلف عن خطورة الانسياق وراء الجماهير، وما يترتب عليه من تراجع في القيم الفكرية. في حين يقدّم فصل ”الناقد الأعور“ صورة رمزية دقيقة للناقد الذي يفقد حياده، فلا يرى إلا جانبًا واحدًا من الحقيقة. يشخص الكاتب هذه الحالة المعرفية بصرامة قائلاً: ”العور الثقافي عاهة مجازية؛ تنتقل من العين الباصرة، إلى كل ما يقوم بوظيفتها... حيث تُصيب أكثر ما تصيب «الناقد»، فتعمي إحدى عينيه، وتُغلقها عن رؤية الإبداع، فيتخبط في أحكامه“.
لا يكتفي الحميدي بتشخيص الإشكاليات، بل يتوغل في تحليل أسبابها، كما يظهر في فصل ”الكسل النقدي“، حيث يربط بين التسرع في إصدار الأحكام وفقدان الدقة والمصداقية، محذراً من هذه الحالة التي يعتبرها بمثابة ”التوقف عن ملاحقة الجديد، والابتعاد عن الحراك، والاكتفاء بالصورة الذهنية المرسومة“.
وفي ”عقل الناقد“، يبلور الكاتب رؤيته النهائية، مشددًا على أن قيمة الناقد تقاس بعمق عقله واتساع اطلاعه، وقدرته على التمييز بين الظاهر والخفي، ليصبح فاعلًا في تشكيل الوعي الثقافي، لا مجرد متابع له.

لا يقف البعد الرمزي للكتاب عند عنوانه فحسب، بل يمتد إلى غلافه الذي يحمل قيمة فنية ودلالية لافتة، إذ يتضمن منحوتة من إبداع النحات رضا العلوي. هذه الرؤية البصرية تعزّز من فكرة ”ترويض“ الناقد، ليس بوصفها إلغاءً لحدّته، بل إعادة تشكيلها ضمن إطار إنساني متوازن، يضبط اندفاع النقد ويمنحه بعدًا أكثر وعيًا ونضجًا.
ورغم براعة الحميدي في تفكيك أزمات النقد المعاصر وتشخيص أمراض المشهد الثقافي بأسلوب رشيق ورؤية عميقة، إلا أن الطرح في بعض جوانبه مال إلى التنظير المفرط. كان من الممكن أن تكتسب هذه المفاهيم الجريئة «ك ”الناقد الأعور“ و”المثقف المعاق“» قوة مضاعفة لو تم تدعيمها بنماذج تطبيقية أو أمثلة حية من واقعنا الثقافي الملموس، لكي لا يبقى الترويض في دائرته المفاهيمية المجردة ويتجاوزها إلى الاشتباك المباشر مع النصوص والنقاد الفعليين.
ختاماً، يحمل عنوان ”ترويض الناقد“ دلالة رمزية لافتة، توحي بمحاولة تهذيب هذا الكيان المعرفي وضبط اندفاعه. ومن خلال هذا العمل، يقدّم محمد الحميدي مشروعًا فكريًا يسعى إلى بناء ناقدٍ واعٍ، يشكّل إضافة نوعية للمكتبة العربية، ومرجعًا مهمًا لكل مهتم بالشأن الثقافي والنقدي، في زمن أحوج ما يكون فيه الفكر إلى التبصّر، لا التسرع.











