آخر تحديث: 18 / 4 / 2026م - 6:03 ص

ليست مجرد نقطة على الخارطة

أنيس آل دهيم *

بينما كنتُ متوجّهًا لشراء بعض مستلزمات المنزل، وكان برفقتي أصغر أبنائي، ذو الخمسة عشر عامًا، مررنا بجوار سورٍ قريب من مسجد الإمام الحسن في حيّ المروة، المعروف قديمًا بحيّ الشرية. أشار إلى السور وسألني بعفوية: ما هذا المكان؟

أجبته: هنا كانت «عين داروش» … العين التي جفّت، ولم يبقَ منها سوى أطلالٍ وسورٍ وُضع لحماية الأطفال من التسلل إلى الموقع.

توقّف لحظة، ثم قال: وما هي عين داروش؟ لا أعرف عنها شيئًا!

في تلك اللحظة شعرتُ أن السؤال أكبر من طفلٍ لا يتذكّر، وأعمق من مجرد عين ماء اندثرت. كان السؤال يمسّ صميم علاقتنا بمدينتنا، بذاكرتها، وبما نتركه للأجيال القادمة.

ومع حلول اليوم العالمي للتراث، الذي أقرّه المجلس الدولي للمعالم والمواقع، ويُحتفى به سنويًا في الثامن عشر من أبريل برعاية اليونسكو، وجدتُ أن ذلك الموقف العابر مع ابني يلخّص جوهر هذه المناسبة: فالتراث ليس حجارةً صامتة، بل ذاكرة حيّة، إن لم نُحيِها في نفوس أبنائنا ماتت فيهم قبل أن تموت في الأرض.

«عين داروش» ليست مجرد اسمٍ قديم؛ إنها جزء من هوية صفوى. تلك العين التي كانت تُعرف أيضًا بـ «عين الصفا» لصفاء مائها؛ وكانت تتدفّق لتسقي النخيل والمزارع، ومنها اشتُقّ اسم المدينة ذاته. ويربط بعض الباحثين اسم «داروش» بالملك الفارسي داريوش الأول، فيما تشير روايات أخرى إلى جذور أقدم للاسم. وبين هذا وذاك، يبقى الثابت أن صفوى نشأت حول الماء، حول الحياة، حول الصفاء.

وإذا وسّعنا المشهد، نجد أن صفوى، إحدى مدن محافظة القطيف، ليست طارئة على التاريخ. ففي شمالها يقع مدفن جاوان الأثري، العائد إلى نحو أربعة آلاف سنة قبل الميلاد، والذي كشف عن صلاتٍ حضارية وتجارية مع حضارة دلمون وبلاد ما بين النهرين. هذه الشواهد تؤكد أن أرض صفوى لم تكن معبرًا عابرًا، بل محطةً في شبكة حضارية ممتدة عبر الخليج.

تعاقبت على المدينة عصور وأحداث، وبرز اسمها في محطاتٍ تاريخية مهمة خلال العصر العباسي والصراعات العيونية، كما ازدهرت فيها الزراعة وصيد الأسماك والصناعات التقليدية المرتبطة بالنخيل والصوف والملح، قبل أن تغيّر صناعة النفط ملامحها الحديثة مع توسّع أعمال أرامكو السعودية في المنطقة. وهكذا انتقلت صفوى من واحةٍ زراعية إلى مدينة متصلة بعالم الصناعة والطاقة، دون أن تفقد جذورها الضاربة في القدم.

غير أن الخطر الحقيقي على التراث لا يكمن فقط في جفاف عينٍ، أو اندثار صناعة، بل في انقطاع السلسلة بين جيلٍ وجيل. حين يسأل الابن: «ما هي عين داروش؟» ولا يجد في ذاكرته صورةً عنها، ندرك أن الحفاظ على التراث لا يقتصر على تسوير موقعٍ أثري، بل يتطلب تسوير الوعي نفسه، وبناء جسرٍ معرفي يربط الأبناء بأرضهم.

اليوم العالمي للتراث ليس مناسبةً احتفالية فحسب، بل دعوة صريحة لإعادة قراءة مدننا بعيونٍ جديدة، أن ندوّن حكاياتها، وأن ندرج تاريخها في مناهجنا المحلية، وأن نحوّل مواقعها القديمة إلى فضاءات تعليمية وثقافية حيّة. فصفوى ليست مجرد نقطة على الخارطة، بل قصة ممتدة من مدفن جاوان إلى عين داروش، ومن النخيل إلى المصانع، ومن الماضي إلى المستقبل.

فإذا كانت «عين داروش» قد جفّت في الأرض، فلا ينبغي أن تجفّ في الذاكرة. وفي هذا اليوم العالمي للتراث، لعلّ أهم ما نفعله هو أن نعيد لأبنائنا حقهم في معرفة تاريخ مدينتهم، ليكبروا وهم يدركون أن خطواتهم تسير فوق أرضٍ تختزن آلاف السنين من الحكايات… وأن التراث ليس ماضيًا نتحسّر عليه، بل هوية نصنع بها مستقبلنا.

وجميل أن أربط مقالي هذا بخبرٍ صحفي نُشر سابقًا بعنوان: «فوتوغرافي يوثق معالم صفوى العتيقة بـ 700 صورة https://jehat.net/38523». قرأتُ التعليقات التي وردت على الخبر، بين مؤيدٍ ومعارض.

فالبعض يرى أن هذه المباني مجرد خرائب، لكنني أراها ذاكرة مدينة وهوية مجتمع. فالتاريخ ليس حجارةً مكدّسة، بل قصة بشر عاشوا هنا، بنوا وكافحوا، وتركوا أثرهم. وإن فقدنا هذه الشواهد، فقدنا جزءًا من تعريفنا لأنفسنا.

قرأتُ أيضًا تعليقات تدعو إلى نسيان الماضي والتركيز على الحاضر. وأحترم كل الآراء، لكنني أؤمن أن التطور لا يعني القطيعة مع الجذور. يمكننا أن نعيش رؤية المستقبل بكل طموح، وفي الوقت نفسه نحافظ على إرثنا العمراني والثقافي. فالمدن الكبرى حول العالم لم تتقدم لأنها هدمت تاريخها، بل لأنها صانته واستثمرته.

كما لفت انتباهي تعليقٌ يطالب بعرض صورتين من أصل 700 صورة، وهو طلب أقدّره لأنه يعكس اهتمامًا حقيقيًا. وهذه فرصة مناسبة لألبي هذا الطلب، فهدفي في تلك الجولة لم يكن التوثيق فحسب، بل أيضًا تسليط الضوء على أهمية الحفاظ على الأحياء القديمة، والتوعية بنظافتها، ودعوة ملاك البيوت التراثية إلى التواصل مع الجهات المختصة لاستثمارها بوصفها مواقع سياحية، أو مطاعم تراثية، أو متاحف صغيرة، بدل تركها للإهمال.

وأعتذر عن كتابة أي تفاصيل على الصور، حتى يراودكم الفضول، وتستيقظ فيكم غريزة التساؤل وحب الاستكشاف:

أين يقع هذا المكان تحديدًا في صفوى؟