آخر تحديث: 20 / 4 / 2026م - 2:01 ص

”هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ“

عبد الجبار سلاط

تمر علينا هذه الأيام، وفي هذا الشهر من شوال العام الخامس من الهجرة النبوية الموافق مارس 627 م، ذكرى واقعة الأحزاب المزلزلة الشديدة على المؤمنين.

عدد آيات سورة الأحزاب 73 آية، منها سبع عشرة آية فقط «9-26» تتحدث عن الواقعة، ولكن لأهميتها وضرورة التفات المسلمين إلى ما جرى من أحداث حولها، ولكي تكون درسًا عمليًا تتردد على ألسن القراء والمستمعين، جُعلت السورة باسم الواقعة، مع العلم أن آياتها لا تعادل ثلث السورة.

فكيف حدثت هذه الواقعة الأليمة على النبي ﷺ وأصحابه الكرام؟

ذكرت كتب التاريخ والسير والتفاسير الروائية أن نفرًا من اليهود، منهم سلام بن أبي الحقيق «اسمه عكس فعله»، وكعب بن الأشرف، وحيي بن أخطب، في جماعة من يهود بني النضير، الذين أجلاهم رسول الله ﷺ من المدينة المنورة، خرجوا حتى قدموا على قريش بمكة المكرمة، فدعوهم إلى حرب رسول الله ﷺ، وقالوا: إنا سنكون معكم عليهم حتى نستأصلهم.

فقالت لهم قريش: يا معشر اليهود، إنكم أهلُ الكتاب الأول، فديننا خير أم دين محمد؟ قالوا: بل دينكم خير من دينه، فأنتم أولى بالحق منه، فأنزل الله فيهم: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا [النساء: 51]. فَسُرَّ قريشًا ما قالوا، ونشطوا لما دعوهم إليه، فأجمعوا لذلك وأعدوا له.

ثم توجه أولئك النفر من اليهود حتى جاءوا قبيلة غطفان في نجد، بين الحجاز وجبل طيء، ووادي الرمة، واشتهرت قبائل غطفان في الجاهلية بحروب طويلة، أشهرها حرب داحس والغبراء بين قبيلتي عبس وذبيان، استمرت 40 سنة بسبب نزاع على رهان سباق فرسين: داحس والغبراء. فلما وصل اليهود أخبروهم بأن قريشًا قد بايعوهم على محاربة رسول الله ﷺ، فلم تتردد قبيلة غطفان، خاصة فزارة وثعلبة من ذبيان، وأجابوهم بالموافقة.

وخرج عدو الله حيي بن أخطب النضيري حتى أتى كعب بن أسد القرظي، زعيم بني قريظة، وكان قد وادع رسول الله ﷺ على قومه وعاهده، فلما سمع كعبٌ صوت ابن أخطب أغلق دونه الحصن، فناداه: يا كعب، افتح لي. فقال: ويحك يا حيي، إنك رجل مشؤوم، وإني قد عاهدت محمدًا، ولست بناقض ما بيني وبينه، ولم أر منه إلا وفاء وصدقًا. وبعد محاولات اقتنع كعب بالانضمام إليهم، ونقض عهده مع النبي ﷺ، واشترط على ابن أخطب أن يبقى معه في الحصن؛ ليصيبه ما يصيبهم عندما تفشل الخطة.

وعند ساعة الصفر خرجت قريش، وقائدهم أبو سفيان بن حرب، وكتبت قريشُ إلى رجال بني سليم، فأقبل أبو الأعور السلمي ومن معه من بني سليم. وخرجت غطفان، وقائدهم عيينة بن حصين بن حذيفة بن بدر في فزارة، والحارث بن عوف في بني مرة، ومسعر بن جبلة الأشجعي مع من تبعه من الأشجع، وكتبوا إلى حلفائهم من بني أسد، فأقبل طليحة مع من تبعه من بني أسد. قال تعالى: ﴿إِذْ جَاءُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ [الأحزاب: 10]، من فوقكم وهو الجانب الشرقي للمدينة غطفان ويهود بني قريظة وبني النضير، وأسفل منكم وهو الجانب الغربي للمدينة، وهم قريش ومن انضم إليهم من الأحابيش وكنانة.

لما علم النبي ﷺ بمخطط التحالف العدواني ضده وضد الدولة الإسلامية الفتية، جمع أصحابه وأحاطهم علمًا بالأمر، وطلب منهم الرأي في اتخاذ أهم وسيلة لصد العدوان عن المسلمين، فأشار عليه الصحابي الجليل سلمان الفارسي بحفر خندق حول المدينة؛ لمنع وصول العدو إليهم، وكان أول مشهد شهده مع رسول الله ﷺ وهو يومئذ حر، قال: إنا كنا بفارس، إذا حوصرنا خندقنا حولنا، واستصوب النبي ﷺ رأيه.

وبحسب معرفتهم الجغرافية لما عليه أرض المدينة المنورة من إحاطة الجبال، فقد حددوا الموقع الذي قد يتم فيه اختراق العدو لهم، وهي الجهة الشمالية والشمالية الغربية، وتحديدًا عند سفح جبل سلع، وهي منطقة الخندق، وتبعد 2500 متر عن المسجد النبوي الشريف، فخط رسول الله ﷺ الخندق لتحديد مساره.

شرع المسلمون في حفر الخندق بعرض 4.62 م وعمق 3.23 م وطول 5544 م، وساهم تراب الحفر في تشكيل ساتر ترابي زاد من فعالية الخندق الدفاعية. وهنا قال النبي ﷺ: سلمان منا أهل البيت، لأن المهاجرين والأنصار كل يريد سلمان معه لما يتمتع به من صلابة وقوة.

حاصر المشركون الغزاة، وعددهم 10,000 مقاتل، مقابل 3,000 مجاهد من المسلمين، والخندق حائل بينهما. وهنا يجب أن نشير إلى أن الجبهة الداخلية للمدينة المنورة ليست مؤمنة خالصة، ففيها المنافقون ومن في قلوبهم مرض، ضعاف الإيمان، قال تعالى: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا [الأحزاب: 12]. والمتخاذلون والمنهزمون، قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَت طَّائِفَةٌ مِّنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِّنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِن يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا [الأحزاب: 13]. استمر التحالف البغيض يحاصر المدينة المنورة نحو 20 إلى 27 يومًا، يضاف إليه الرياح الشديدة والبرد القارس، منطقة مكشوفة، والجوع والخوف، يقول تعالى: ﴿إِذْ جَاءُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا [الأحزاب: 10]، ويصف الله حالة المؤمنين بقوله: ﴿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا [الأحزاب: 11].

موقف ناصع للصحابي جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنه:

استأذن جابر رسول الله ﷺ للذهاب إلى منزله، فقال لزوجته: هل عندكِ من شيء؟ قالت: عندي صاع من شعير وعناق «أنثى الماعز»، فقامت وطحنت الشعير وعجنته وذبحت العناق وسلختها. فعدتُ إلى رسول الله ﷺ وجلست عنده ساعة، وبعد أن تهيأ الطعام، قلت لرسول الله ﷺ: عندنا طعيم لنا، فقم يا رسول الله أنت ورجلان من أصحابك. فقال النبي ﷺ: وكم هو؟ قلت: صاع من شعير وعناق، فنادى النبي ﷺ في المسلمين: هلموا لدعوة جابر. قال جابر: فلقيتُ من الحياء ما لا يعلمه إلا الله، وأخبرت زوجتي فقالت: الله ورسوله أعلم، قد أخبرناه ما عندنا، فكشفت عني غمًا شديدًا. فصار رسول الله ﷺ يثرد ويفرق اللحم حتى شبعوا جميعًا، ولم ينقص منه شيء ببركة رسول الله ﷺ.

بوادر الفرج:

1- إسلام نعيم بن مسعود، أحد زعماء قبيلة غطفان.

أسلم على يد النبي ﷺ في تلك الفترة الحرجة، فقال: إن قومي لم يعلموا بإسلامي، فأمرني بما شئت، فأمره النبي ﷺ بتثبيط القبائل عنه وخداعهم؛ فإن الحرب خدعة. فانطلق إلى بني قريظة، وكان نديمًا لهم في الجاهلية، وأشار عليهم بنصيحته قائلًا، بما معناه للاختصار: إن قريشًا وغطفان ليسوا في مثل حالكم، البلد بلدكم، فيه أموالكم وأبناؤكم ونساؤكم، وبلدهم وأموالهم ونساؤهم في مأمن، فإن أصابوا شيئًا استحوذوا عليه، وإلا لحقوا ببلادهم، وتركوكم ومحمدًا، وأنتم لا طاقة لكم به إن خلا بكم، فلا تقاتلوا مع القوم حتى تأخذوا رهنًا من أشرافهم يكونون بأيديكم ثقة لكم حتى تناجزوا محمدًا، ووثقوا بنصيحته. ثم مضى إلى أبي سفيان ومن معه من زعماء قريش، فقال: إن معشر اليهود قد ندموا على ما صنعوه مع محمد، وتواصلوا معه، وأنه إذا يرضيه أن يأخذوا من أشراف قريش وغطفان جماعة، ويسلموهم لمحمد ليضرب أعناقهم ثم يكونون معه، فإن طلبت اليهود منكم رهنًا من رجالكم فلا تدفعوا إليهم أحدًا. فأرسلوا لبني قريظة رسلًا، فصدقوا مقالة نعيم، وبهذا تخلص المسلمون من يهود بني قريظة، فلم ينضموا إلى قريش، ولم يحاربوا المسلمين.

2- قتل رؤوس الكفر

لم يكن بين المسلمين والمشركين طوال فترة الحصار سوى الرمي بالنبال، ثم تطور الأمر بأن قام فوارس من قريش، منهم: عمرو بن عبد ود العامري، وعكرمة بن أبي جهل، وضرار بن الخطاب، وهبيرة بن أبي وهب، ونوفل بن عبد الله، وقد تأهبوا للقتال وخرجوا على خيولهم، حتى وقفوا على الخندق فقالوا: والله إن هذه لمكيدة ما كانت العرب تكيدها، ثم اقتحموا الخندق من مكان ضيق، وأخذ عمرو بن ود يتبجح ويجول أمامهم محتقرًا لهم، رافعًا صوته: يا رجال محمد، هل من مبارز؟ فقد خلعت القلوب، ولم يجبه أحد، فصاح ثانية وثالثة، فانبرى له بطل الإسلام الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب قائلًا: أنا له يا رسول الله. فقال له: اجلس يا علي؛ ليعطي فرصة لغيره، لكن الخوف والهلع مسيطر عليهم.

فأنشد عمرو بن ود:

ولقد بححت عن النداء
بجمعكم هل من مبارز؟

فمشى أسد الإسلام، أبو الحسنين، بعد أن أذن له النبي ﷺ قائلًا: «برز الإيمان كله إلى الشرك كله». وأجاب علي عمرو قائلًا:

لا تعجلن فقد أتاك
مجيب صوتك غير عاجز

ذو نية وبصيرة
والصدق منجي كل فائز

إني لأرجو أن أقيم
عليك نائحة الجنائز

من ضربة نجلاء يبقى
ذكرها عند الهزاهز «المصائب والحروب».

ثم رفع النبي ﷺ يديه بالدعاء لحفظ الإمام قائلًا:

«اللهم إنك أخذت مني حمزة يوم أحد، وعبيدة يوم بدر، فاحفظ اليوم عليًا… رب لا تذرني فردًا وأنت خير الوارثين».

قال عمرو: من أنت؟ قال: أنا علي. قال: ابن عبد مناف؟ قال: أنا علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف.

فأشفق عليه عمرو وقال له: قد كان أبوك صديقًا لي. ولم يحفل الإمام بما قال.

فقال له الإمام: يا عمرو، إنك عاهدت قومك ألا يدعوك رجل من قريش إلى خلال ثلاث إلا أجبته؟

قال: نعم، هذا عهدي.

إني أدعوك إلى الإسلام.

وضحك عمرو وقال بسخرية: أأترك دين آبائي؟ دع هذا عنك.

الثانية: أكف يدي عنك فلا أقتلك وترجع؟

وغضب عمرو، وأخذته العزة بالإثم، وعجب من جرأة هذا الفتى عليه، وقال له: إذا تتحدث العرب بفراري.

فعرض الإمام الثالثة قائلًا: إني أدعوك إلى النزال.

وعجب عمرو من بسالة الفتى وشجاعته، فنزل عن فرسه، واستل سيفه، وضرب الإمام، فاستقبلها بدرقته «درع»، فقدها، ونفذ السيف إلى رأس أمير المؤمنين فشجه، وأيقن المسلمون أنه لاقى مصيره، ولكن ما لبثوا إلا برهة حتى ضرب الإمام عمرو ضربة هاشمية أردته إلى الأرض يخور بدمه، وكبر الإمام وكبر المسلمون، فقد انقصم ظهر الشرك، وأحرز الإسلام النصر الحاسم.

عندها قلد النبي ﷺ الإمام وسامًا مشرفًا على امتداد التاريخ قائلًا:

«لمبارزة علي بن أبي طالب لعمرو بن عبد ود يوم الخندق أفضل من أعمال أمتي إلى يوم القيامة». وقال الصحابي حذيفة بن اليمان: «لو قسمت فضيلة علي بقتل عمرو يوم الخندق بين المسلمين أجمعهم لوسعتهم».

أما ابن عباس فقال في تفسير قوله تعالى: ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ [الأحزاب: 25] قال: كفاهم بعلي بن أبي طالب.

بكت قريش بطلها الذي يعد بألف فارس، وأنشدت أخته:

لو كان قاتل عمرو غير قاتله
لكنت أبكي عليه آخر الأبد

لكن قاتله من لا يعاب به
من كان يدعى أبوه بيضة البلد

لأن الإمام بعد قتله لم يسلبه ولم يجرده من ملابسه، وقتل أمير المؤمنين البطل الآخر، وهو نوفل بن عبد الله، مما سبب هزيمة نكراء للأحزاب المعتدية.

3- الريح جند من جنود الله

قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا [الأحزاب: 9].

أرسل الله تعالى هذه الريح، ريح الصبا الشديدة الباردة، في ليلة مظلمة، شتت القوم وفرقتهم تفريقًا، وخلعت أوتاد خيامهم، ثم جنود الله، وهم الملائكة غير المرئيين، ألقوا الرعب والجزع في نفوس الأعداء، وتذكير الله بالنعمة التي أنعمها على المسلمين بتثبيت قلوبهم بعد أن بلغت القلوب الحناجر من شدة الخوف والحصار، وكان الله بما تعملون بصيرًا، تؤكد على صبر المؤمنين وحفرهم الخندق ودفاعهم المستميت عن النبي ﷺ والمدينة المنورة.

فقال الرسول الأكرم ﷺ: «الآن نغزوهم ولا يغزوننا»، وتوجه من فوره نحو قلاع يهود بني قريظة التي نقضت العهد واصطفت مع الأحزاب المعتدين.

أما قريش وغطفان ومن لف لفهم فقد ولوا منهزمين على أعقابهم، يطاردهم الرعب والخوف، فقد مُنُوا بالخسارة والخذلان، ولم يتكبد المسلمون فيها أي خسارة.


المصادر:

• حياة المحرر الأعظم الرسول الأكرم محمد ﷺ، الجزء 1/3، باقر شريف القرشي.

• تفسير الميزان، سورة الأحزاب.