الفن في ركام الورش الصناعية
كنتُ أتجوّل بين ملفاتي الفوتوغرافية القديمة، أبحث بين زواياها عن صورة تلهمني كتابة موضوع ما، فإذا بي أتوقف أمام مجلد عنونته يومًا باسم: «صناعية صفوى». فتحتُه، فظهرت أمامي صور مختلفة توثّق ركام إزالة الورش الصناعية التي كانت تمتد على المدخل الجنوبي لمدينة صفوى، بمحاذاة شارع الإمام علي
.
كان قرار الإزالة آنذاك جزءًا من مشروع تطوير وتحسين المظهر الحضري لمدخل المدينة، وهي تبعات نراها اليوم واقعًا ملموسًا ولله الحمد. غير أن ما شدّ انتباهي في تلك الصور لم يكن الركام ذاته، بل ما كان يحتضنه: لوحات فنية رُسمت على الجدران باحترافية، وآثار حياة يومية كانت نابضة يومًا ما. هناك، وسط الغبار والحجارة، كانت الذاكرة تقاوم النسيان.
غالبًا ما يُنظر إلى الركام بوصفه بقايا بلا قيمة، غير أن الصورة الفوتوغرافية قادرة على إعادة تعريفه، فهو ليس مجرد مخلفات هدم، بل طبقات من القصص الإنسانية. كل جدار أُزيل كان شاهدًا على حكايات عمال، وأصوات آلات، وتفاصيل حياة بسيطة صنعت ملامح المكان. إن توثيق الركام بعد الإزالة لا يعني الحنين إلى العشوائية، ولا الوقوف ضد التطوير، بل هو توثيق لمرحلة تاريخية تشكّل جزءًا من هوية المدينة. فالتنمية الحضرية لا تلغي الماضي، بل تبني عليه. والصورة هنا تصبح جسرًا بين ما كان وما سيكون.
المفارقة أن الركام ذاته يمكن أن يكون مادة للإبداع. في تجارب فنية عربية، جرى تحويل مخلفات الزجاج والمواد الصناعية إلى لوحات فسيفسائية مبهرة، في مشروعات فنية هدفت إلى تجميل المدن وإعادة توظيف المهمل. هذا التحول من «نفاية» إلى «قيمة جمالية» يعكس وعيًا بيئيًا وفنيًا في آنٍ واحد.
فبين الهاجس البيئي والحس الجمالي، يولد مفهوم جديد: أن ما يُهدم يمكن أن يُعاد تشكيله، وما يُزال يمكن أن يُخلّد بصورة أو لوحة. وهنا تتقاطع الصناعة بالفن، والاقتصاد بالثقافة، لتُنتج خطابًا بصريًا يعيد الاعتبار لما ظُنّ أنه انتهى.
في كثير من صور الركام، يختار المصورون تقنية الأبيض والأسود لإبراز التباين الحاد بين الضوء والظل، وبين الامتلاء والفراغ. هذا الأسلوب لا يمنح الصورة بعدًا دراميًا فحسب، بل يجرّدها من ضجيج الألوان، ليُبقي على جوهر الحكاية: أثر الإنسان في المكان، وأثر المكان في الإنسان. فالركام في عدسة المصور ليس دمارًا صرفًا، بل لحظة انتقال. إنه الفاصل بين زمنين، زمن مضى، وزمن يتشكل. ومن خلال هذه العدسة، تتحول المشاهد القاسية إلى خطاب بصري يحمل ألم الفقد وأمل البداية.
لكنني آثرتُ أن أقدّم صوري الفوتوغرافية بألوانها الطبيعية، لا بالأبيض والأسود، لتكون امتدادًا حيًا نابضًا بالحياة، ينقل دفء اللحظة ويبعث في المتلقي شعورًا بالأمل وتجدد الروح، ويؤكد أن الجمال يمكن أن يولد حتى من بين الركام.
إن ما شهدته صفوى من تطوير عمراني يعكس رؤية حضرية تسعى إلى تحسين جودة الحياة وتعزيز المشهد البصري للمدينة. غير أن الحفاظ على الصور القديمة، ومشاركة تلك اللقطات التي وثّقت مرحلة «الصناعية»، يظل ضرورة ثقافية. فالمدن لا تُقاس فقط بمبانيها الحديثة، بل بقدرتها على الاحتفاظ بسرديتها.
الصور التي التقطتها يومًا لركام الورش الصناعية لم تعد مجرد توثيق لعملية إزالة، بل أصبحت وثيقة زمنية، ومرآة لمرحلة عاشت فيها المدينة تحولًا عميقًا. إن الصور الفوتوغرافية الفنية التي يخلفها الركام تمثل توثيقًا جماليًا وفلسفيًا لآثار التحول. فهي تحوّل مشهدًا عابرًا إلى ذاكرة دائمة، وتمنح الدمار المؤقت معنى إنسانيًا أوسع.
من هنا، يصبح الفن فعل مقاومة للنسيان، وتغدو العدسة أداة لإعادة صياغة الحكاية. فالركام لا يروي قصة نهاية، بل يحكي بداية جديدة، بداية مدينة تتطور، وذاكرة تُحفظ، وصورة يخلدها الزمن في صفحات التاريخ.





















