آخر تحديث: 23 / 4 / 2026م - 3:00 م

صراع العيوب

حكيمة آل نصيف

ورد عن أمير المؤمنين : «طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس» [بحار الأنوار، ج 72، ص 49].

يُعدّ الانشغال بعيوب الناس وتتبع عثراتهم وزلاتهم من أسوأ السلوكيات الخاطئة والمذمومة عقلًا وشرعًا، بل يُعتبر آفة أخلاقية تصيب الإنسان وتشير إلى شخصية غير سويةٍ على المستوى الديني والأخلاقي، وتكشف عن نفس مريضة تعاني من خلل في التربية الذاتية وضعف في مراقبة نفسها ومحاسبتها، متناسية عيوبها وآفات روحها التي تعاني منها، فينشغل بالآخرين ويقف عند كل خطأ يصدر من غيره، وينتقد تصرفاته، وقد تكون سلوكياته وعيوبه أردأ من عيوب الآخرين.

وهنا نراه منشغلًا بغيره يراقبهم، كلما صدر منهم سلوك مشين، بدلًا من أن يتوجه إلى ذاته فيُصلح ما يعيبها ويُدنّس صفاءها، ويضع أحمالًا من الذنوب والآثام على نفسه فيزيد من كدورتها.

ولو تتبعنا روايات أهل البيت واستنطقناها، لوجدنا الكثير من أقوالهم تحث على مراقبة النفس وإصلاحها والسير في طريق تقويمها وتعديل سلوكها، والبعد عن الانشغال بما لا ينفعها ويبعدها عن القرب الإلهي.

هذا السلوك المشين لا يصدر من إنسان سويٍّ مشغول بنفسه ومراقبتها، وإنما هو نتاج الفراغ الروحي الذي يعيشه دائمًا، مبتعدًا عن الله عز وجل، ومتقربًا إلى الشيطان الذي يزيّن له الرذائل والوقوع في أحضانها، والأمراض القلبية التي يعاني منها وتنهش في ذاته فتتمكن منه كالحسد والغيرة واستصغار الذنوب وحب الظهور بمظهر الأفضل من غيره، فيجد في تتبع عثرات الآخرين ومحاولة فضيحتهم أمام الناس نوعًا من التعويض عن ستر نقائصه وعيوبه، فيتوهم ويقنع نفسه بأن عيوبه صغيرة أمام عيوب غيره، مما يوقعه في براثن الشيطان وحبائله، فيتمادى في ذنوبه ويصعب عليه علاج أمراضه الروحية.

ولا بد أن نعي هذا المنحنى الأخلاقي الذي يسقطنا في الهاوية، ومن نتائجه وآثاره ما يدمّر الفرد والمجتمع، ومن أهم آثاره على المستوى الفردي أن من يتصف بهذه الصفة يعيش حالة من الاضطراب والقلق الروحي، فلا يستشعر الراحة والصفاء النفسي، فهو في حالة انشغال دائم بمراقبة غيره، ينتظر أي زلة ولو كانت صغيرة فيعمل على تضخيم أخطاء الآخرين، وفي المقابل تدبّ العداوات على المستوى الاجتماعي، وتشتعل المشاكل وتُزعزع الثقة بينه وبين الآخرين.

ومع ذلك، فإن علاج هذا المرض ليس بالمستحيل ولا بالمستصعب، فمن أراد إصلاح ذاته وتقويمها، يجد في رواية أمير المؤمنين ما يأمرنا بالانشغال بأنفسنا عن الآخرين، وهذا أول علاج ودواء لهذه النفس الضعيفة، فحين نراقب ذواتنا ونرى أخطاءنا، ومع محاولة التهذيب وتجاوز هذه الذنوب، تنفتح بصيرتنا على ما نعانيه من صفات أخلاقية سيئة، ونشعر بالخزي أمام الله عز وجل مما نحن فيه من معاصٍ، ونحاول إيجاد ما يصلحنا ويبعدنا عن الشيطان الرجيم، وندخل في رحلة إصلاحية ترتقي بها نفوسنا عن الوقوع في الذنوب بتتبع عثراتنا الذاتية، فلا يكون لدينا متسع من الوقت للتفكير في عثرات الآخرين، بل يكون همنا الأكبر هو تعديل أنفسنا وإحلال الخير مكان الشر، واستصغار هذه النفس الأمارة بالسوء واستحقارها، فيحل الخوف من الله تعالى والخوف من المهالك في قلوبنا، وبذلك ننعم بالسلام الداخلي والصفاء القلبي والروحي.