آخر تحديث: 25 / 4 / 2026م - 4:51 م

تأملات خارج المحطة رقم «56»

عبد الغفور الدبيسي

المحطة رقم ”56“ هي اجتماع الجمعية العمومية لجمعية تاروت السادس والخمسون، والذي يؤشر لمسيرة مباركة نيفت سنواتها على ست وخمسين؛ حيث انتخب أعضاء مجلس إدارة جدد لدورة جديدة مدتها 4 سنوات، ومضت الأمور بشكل انسيابي وطبيعي لمثلها من الاجتماعات، وربما كان من المفيد للمهتمين بالعمل الخيري النظر إلى هذه الاجتماعات واستخلاص العبر والدروس في الشكل والمضمون.

أما في الشكل، فسنترك ذلك للمجلس الجديد والإدارة التنفيذية لمساحة غير صغيرة من التطوير والتحسين، ولا غضاضة في ذلك ما دام ”التطور المستمر“ استراتيجية للمؤسسة أو المنظمة.

أما في المضمون، فسأقف عند بعض التأملات التي لمستها ”من داخل المحطة“ لا من خارجها وربما كان التفكير المتعمق فيها مفيدًا للجمعية وإدارتها وللمجتمع بشكل عام.

أولًا: لقد سمعت من ذي قبل عن الشللية في إدارة الجمعيات وفي انتخاباتها ولا أستغرب ذلك؛ فمجتمعنا العربي قد طبع على ذلك بل يمكن القول أن جين ”الفزعة“ هو الذي يميزنا - نحن العرب - عن الأعراق الأخرى، فما إن يتقدم ابن عمنا أو ابن حارتنا أو من ينتمي لنا بنحو ما لأي منصب أو جائزة، إلا وفزعنا إليه بالحق وبالباطل ندعمه فيما يريد، لكنني لمست هذه المرة هذه الشلللية والتكتلات العائلية وأعتقد أنه كان لها دور واضح في تعزيز فرص الفوز لعدد من الأعضاء، ولا أريد أن أتحدث هنا عن أي تجاوز قانوني، فما تم تم تحت إجراءات قانونية سليمة وبإشراف من الجهات الرسمية، كما يحدث في أي اجتماعات مماثلة في طول البلاد وعرضها.

لكنه من المفيد الحديث عن الجانب الأخلاقي في هذا السلوك أو المرض من أمراض الممارسة الديمقراطية، كما قلت لم يتجاوز العضو - العضو الذي صوت بدوافع شللية أو عائلية - حقه القانوني فيما قام به، ولكنه بالتأكيد تجاوز العقد الأخلاقي الذي أبرمه مع الجمعية ”كعضو في الجمعية العمومية“ من عدم اتخاذ ما من شأنه الإضرار بالجمعية، ولا شك أن اختيار غير الكفء أو تقديمه على من هو أكفأ منه، لدوافع شخصية هو إضرار بيّن الضرر للجمعية، وما هو أكثر ضررًا منه إذا انتقلت هذه الشللية إلى مجلس الإدارة، وتم اتخاذ القرارات بناء عليها بنفس الدوافع.

إن الركيزة الأخلاقية ضرورية في جميع الأعمال، ولكنها في المنظمات غير الربحية - والتي لا يرجو منها الإنسان سوى مرضاة الخالق - أكثر ضررًا وتناقضًا مع الغاية منها.

لا أعتقد أنه في وسع المرء أن يقترح حلولا معينة؛ فالضمانة الوحيدة هي الالتزام بالمبادئ الأخلاقية، وإن كنت أتمنى أن تعتمد الوزارة أو المركز الوطني حاليا الفكرة القائلة بضرورة تأهيل جميع المترشحين ”التأهيل الفني والإداري وليس الأمني فقط“ وذلك لضمان أن الضرر في مثل هذه الحالات هو في الحد الأدنى.

الأمر الآخر الذي أود الإشارة إليه هو جودة المداولات أثناء الاجتماع، والذي ينتج عنها جودة القرارات، لا شك أن الحاضرين يمثلون أعضاء الجمعية العمومية، وهي الجسم الأكثر صلاحية في هرم السلطة في الجمعيات الخيرية. أي أنهم يتمتعون بحسب النظام بصلاحيات فوقية تمكنهم من إلغاء قرارات المجلس ورفض توصياته بل وحل المجلس أيضًا، وهذا مستوى عال من السلطة.

والسؤال الذي طرحته سابقًا هو هل أداء الجمعيات العمومية بشكل عام يوازي هذا المستوى من الصلاحيات؟ تجربتي تقول أنه لا توازن هناك بين الصلاحيات والأداء وجودة المداولات والنقاش - سواء انتهى الرأي بالتأييد أم بالرفض - ليست بالمستوى الرفيع وأغلبها سطحية ومبتسرة، وهو أمر يحتاج إلى معالجة في النظام أو معالجة بالآليات المتاحة حاليًا لمجلس الإدارة.

كثير من القضايا المطروحة لها خلفيات متعددة ولها جوانب فنية اجتهد مجلس الإدارة فيها على مدى شهور، ثم في بضع دقائق وبتناول سريع وغير ناضج وغير مطلع على خلفياتها وتفاصيلها تكون كلمة الفصل.

لا أعرف إن كان هناك طريقة إجرائية نستطيع بها تلافي هذا القصور في أداء الجمعيات العمومية، وأترك هذا للجهات المشرعة والمشرفة، ولكن هناك حلولا وأدوات يمكن أن يستفيد منها مجلس الإدارة في السعي لتطوير أداء الجمعية العمومية منها:

1. أن تكون الجمعية العمومية على اطلاع دائم بمشروعات الجمعية وخططها، وذلك بالاطلاع والزيارة والوقوف على ما يتم عمله بشكل دائم والدور هنا مزدوج من الأعضاء ومن مجلس الإدارة.

2. مع توقع وجود شريحة لا تستفيد من الحل الأول، ربما يكون الحل في أن يمارس مجلس الإدارة حقه النظامي بانتقاء أعضاء الجمعية العمومية وقبول الأعضاء النشطين اجتماعيًا، والمتابعين لعمل الجمعية والذين يشكل وجودهم إضافة نوعية للجمعية العمومية والجمعية، والاقتصار عليهم، وهذا ما تنتهجه بعض الجمعيات التي لا يزيد أعضاؤها عن العشرات، وبهذا تستطيع أن ترفع من مستوى قرارات الجمعية العمومية وجودتها.

هذه بعض ملاحظات وتأملات، تحتاج إلى مزيد من الحديث والمناقشة على المستوى المحلي والوطني، متمنيًا لجميع العاملين لبذل المعروف ومساعدة المحتاجين كل خير، ومتمنيًا للمجلس المنتخب في جمعية تاروت الرقي بهذه الجمعية إلى مستويات جديدة.