تأملات خارج المحطة رقم 60
كانت ليلة ربيعية ماطرة من ليالي شهر نيسان اجتمع فيها أهل تاروت ليحتفوا بمرور قطار جمعيتهم في المحطة رقم 60 وينتخبوا لها مجلس إدارة جديد. كانت أجواء أخوية رائعة وملتقى لأحباب الجزيرة في دروب الخير والعطاء انتهت باحتفالية جميلة لتسعة أشخاص هم أعضاء المجلس الجديد.
كنت وقفت قبل أربع سنوات في المحطة رقم 56، ودونت حينها تأملاتي وما لاحظته من طغيان تفكير «الفزعة» لابن العائلة والصديق مع اعتبار قليل للكفاءة والجدارة، وكنت شاهدا على نتيجة تلك الدورة الانتخابية وعايشتها كواحد من أعضاء المجلس الذي انتخب. شددت في تأملاتي تلك على أهمية البعد الأخلاقي لأنه أقوى ضمانة لتصويب الاختيار. وربما من جلس على طاولة اجتماع المجلس ليحاور شخصا تعوزه أبجديات الإدارة يدرك حجم المأساة التي تنتج عن مثل هذه الاختيارات التي لم يدرك أصحابها فداحة ما أقدموا عليه [1]
بعد أربع سنوات من ذلك التاريخ، تغير الكثير. صدرت منذ ذلك التاريخ عدة مراجعات للّائحة التنفيذية لنظام الجمعيات الأهلية وقواعد حوكمة الجمعيات وأنظمة أخرى، لكن الأبرز فيما يتعلق بانتحابات مجالس الإدارة كان هو اعتماد «المال الانتخابي» لتقرير نتائج الانتخابات. في النظام السابق كان كل عضو بصوت واحد، لكن اللائحة الجديدة «أقرت قبل 3 سنوات تقريبا» استحدثت عضوية جديدة هي «العضو الداعم». العضو الداعم هو من منح الجمعية مبلغ 100 ألف ريال أو أزيد «غير مقيدة أي تبرع عام» خلال السنوات الأربع الماضية. ويصبح له بهذا المبلغ وزنا في الانتخابات يعادل نسبة ما دفع إلى مجموع رسوم العضوية. احتساب توزيع الأصوات يأتي مباشرة من المركز الوطني لتنمية القطاع غير الربحي يحدد فيه الوزن الانتخابي للأعضاء الداعمين. عندما صدر النظام أول مرة استبعدت أن تقدم الجمعيات في المنطقة على تفعيله لكن ظنوني كانت في غير محلها فرأينا أعضاء داعمين يحددون نتائج الانتخابات في بعض جمعيات المحافظة في السنوات الأخيرة. لا بد أن أعترف أيضا أنني تفاجأت بالوزن الانتخابي الذي حدده المركز للداعمين هذه المرة. كانت قراءتي للنظام أن مجموع أصوات الداعمين لا تتجاوز 49% من الكتلة الانتخابية. خاب ظني هنا أيضا ليصل الوزن الانتخابي للداعمين هذه المرة قرابة 80% من مجموع الجمعية العمومية. لا بد أن أعترف أن هذا صدمني بشكل كبير. أدركت أن الأعضاء العاديين أصبحوا دون وزن. عشرات بل مئات من أعضاء الجمعية العاديين، أناس أصحاب رأي راجح ووزن اجتماعي متابعين لمسيرة الجمعية أصبحوا على الهامش. هذه هي الحقيقة دون تجميل. هل نحن بهذه التوزيع نضمن مجلسا أفضل؟ أشك في ذلك.
تهميش الجمعية العمومية «أو أغلبيتها الساحقة» بهذه الصورة لن يساعد في تطوير القطاع الربحي البتة. ربما كان غرض المشرّع تعظيم الدخل المالي غير المقيد والذي هو ركيزة الاستدامة المالية وضامن حريتها، لكن لا أعتقد أن الزيادة في الأموال غير المقيدة ستؤيد هذه النتيجة. فالداعمون هم الداعمون في الأغلب قبل تفيير النظام وبعده والزيادة للمال غير المقيد بسبب الانتخابات ستكون طفيفة. الذي يحصل هو تجيير المال ذاته واستخدامه في تقرير نتائج الانتخابات.
من النتائج السلبية لهذا النظام أيضا زيادة حدة الاستقطاب واستعداد البعض للذهاب لمديات بعيدة غير أخلاقية أحيانا في المنافسات الانتخابية. ذكرت روح «الفزعة ظالما أو مظلوما» التي تسود مجتمعاتنا فما بالك حين تصبح الأموال وقودا لها. من النتائح السلبية المتوقعة الأخرى ضعف استقلالية قرار المجلس الذي أتي على ظهر المال الانتخابي. الذي انتخبك وضمن لك الفوز بهذه الصورة الكاسحة ستكون له يد عليك عندما يحين وقت اتخاذ القرارت.
أتوقع أن التقييمات الأخرى في مناطق أخرى من المملكة لهذه الممارسة ستؤيد هذه الاستنتاجات وأتمنى أن يعيد المركز الوطني النظر في هذه الفكرة من أساسها، أو يقيد وزن الأعضاء الداعمين إلى سقفٍ تظل فيه الكلمة الأقوى للسواد الأعظم من الجمعية العمومية.. وعلينا الاعتماد على رفع مستوى الوعي لدى الأعضاء لتحسين اختيارهم في الانتخاب. نعم هي عملية بطيئة ومضنيةلكنها أعلى ضمانة وأكثر عدلا.











