آخر تحديث: 25 / 4 / 2026م - 2:17 م

حفل زفاف وأصوات قرع طبول الحروب

المهندس أمير الصالح *

في ليلة استثنائية، ليلة زفاف ابنٌ من أبنائه، كان لكل خطوة تفصيل ومعنى، ولكل فعالية جدول وتنظيم، ولكل عمل برنامج ورسالة، ولكل وصلة نوتةٌ وهدفٌ وغاية، ولكل تهنئة نكهة وجوقة، ولكل صوت نغم ولحن، ولكل لقاء ذكريات وحنين، ولكل مصافحة طعم ومشاعر، ولكل عناق تعبير وشوق، ولكل مدعو رمزية ومكانة. فاحت صالة الأفراح بعطور جمة، وأقواها كان عطر الشهامة والرجولة والوفاء؛ فتم قمع مظاهر التباهي والتهريج، وتم تأصيل الانتماء والهوية.

فالتأم ذلك الجمع الفسيفسائي الغفير من كل أنحاء أرض الوطن في قاعات قصر أفراح رحبة وسط نفوس طيبة ونظافة المكان ممتازة واستعدادات مميزة وديكورات فاخرة ومقاعد وثيرة ومرتبة وموائد طعام لذيذة وأطباق حلى متنوعة ومقبلات شرقية وغربية شهية وضيافة مميزة وقوائم مدعوين طويلة ولقاء أهل وأقارب وأصدقاء وأحبة وزملاء من مدن عديدة وفرجان متجاورة وأحياء سكنية حديثة؛ فتم تجديد عهد بماضٍ تليد واستشراف مستقبل مجيد وتعايش واقع حيث تراكم مخزون وفاء وإرواء شجر المحبة وتفرع أغصان رطبة وطرية.

فهذا الضيف من مدينة الأحساء وذاك الضيف من مدينة القطيف وذاك الضيف من الرياض ومدعو آخر من مدينة الجبيل الصناعية وآخر من مدينة أبها وآخر من مدينة بريدة وآخر من مدينة جدة، وهكذا دواليك حتى تشكل مجموع الضيوف من معظم أنحاء أرض الوطن. فكان الحضور بهيًا ومشاركة مميزة ومصداقًا للآية الكريمة ﴿إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ [الحجرات: 13]. فزاد الفرح جمالًا بمشاركة الأحبة جميعًا.

بدأت رحلة استقبال الضيوف عند الساعة السابعة والربع مساءً، حيث وقف أعضاء لجنة الاستقبال عند المدخل الأول لقاعة قصر الضيافة بُعيد الأبواب الخارجية، حيث بهو قصر الأفراح، وتوشح أفراد لجنة الاستقبال بالبشت الأحسائي الأكثر شهرة والرمز العتيد للفخامة وللصناعة المحلية الفاخرة والزي العربي المجيد؛ ودارت المباخر في عدة اتجاهات تفوح منها أعمدة بخار أبيض تعانق سقف الصالة حيث يفوح عطر العود الإندونيسي والكمبودي الأصيل والطيب. وتناسق الحضور بين شاهد ومشهود وفرح وسرور، وانتظمت الأفواج البشرية المتدفقة في مسبحة صلاة التهنئة في طابور تشع من وجوههم أنوار البهجة وهمسات البشاشة، وتمزق جدار الحوارات الجانبية قهقهات بين الحين والآخر وعناق حار ومميز بين أصدقاء طفولة أو زملاء جامعة أو ذكريات مبتعثين.

رحبت اللجنة المكونة من أعمدة أسرة الداعين «وفي هذا المثال كانوا: آل الصالح وآل المرزوق وآل سادة النحوي» بالضيوف الكرام. فبجّلت وهلّلت وأكرمت الحضور فردًا فردًا، واستقبلتهم بابتسامة عريضة بكل حفاوة وافتخار؛ وفي كل تزايد لتوافد الوفود المهنئة تزداد تنوع رسالات التراحيب؛ وحتى لحظة وصول العريس، حيث تقدم العريس وهو مرتدٍ ثياب العز والحب والكرامة بنقاء وبعد كفاح الدراسة والعمل.

وعند الساعة الثامنة والربع مساءً، وصل العريس بكامل أناقته وجمال طلته ولطيف ابتسامته وبشاشة وجهه ورصانة مظهره، لتبدأ مرحلة تفعيل لجنة جديدة من لجان التنظيم للحفل، وهي لجنة الترتيب والتفويج. وانطلقت أصوات إعلان الحفل عبر زفة رائعة تقدمها مجموعة من المنشدين المتميزين من ذوي الأصوات العذبة والكلمات الرائعة والأشعار الرصينة والمدائح النبوية الطيبة، بين تهليل وحمد لله رب العالمين وصلاة على نبي الرحمة وآله الكرام وإنشاد وزغاريد ممزوجة بألحان متألقة وموشحات رقيقة الأنغام عبرت عن فرحة أهل العريس بتوافد المدعوين ورسمت البهجة والسرور والسعادة في قلوب المشاهدين والمستمعين.

وحينذاك هيّأت لجنة الاستقبال الداخلية أفرادها ورافقت العريس بكل اهتمام، حيث بدأت مراسم تقبُّل التهنئة للعريس حتى وصولهم لقلب منصة القاعة الكبرى للحفل.

وبعد وصول العريس إلى المنصة الرئيسية بمعية الأحبة وأنغام المنشدين حيث الجلوات وبخور عود، اصطفت طوابير المهنئين بكل أريحية واحترام لتقديم التهنئة للعريس. فكان التدفق سلسًا، وحُظر التصوير الفردي بالجوال لتجنب تكدس الطوابير. وكان والد العريس يقدم بين الحين والآخر بكسر البروتوكول من خلال الترجل من منصة الاستقبال الداخلية والمبادرة في الذهاب والمرور على طابور المهنئين لمبادرتهم بالمصافحة والثناء عليهم على استجابة الدعوة.

فتقدم المهنئون زرافات زرافات في صفوف منتظمة للتهنئة والتبريكات والمشاركة بالفرحة وهم من كل فج عميق؛ وبعد فترة وجيزة من ذلك الحدث وخلاله تولت لجنة الضيافة والتقليد مهامها في ترتيب الأمور داخل قاعات الطعام.

وبينما يُدار حراك في الخفاء لإنجاح مهرجان الزفاف من توريد ووصف وتنظيم طاولات الطعام والحلويات والفواكه، تم استقبال كبار وعامة الضيوف ومرافقتهم من المدخل إلى داخل القاعة الكبرى بكل تقدير وحفاوة وإكرام دون أي تمييز مع إلغاء أي يافطة تحمل شعار VIP لكون الكل يتم التعامل معه على أنه شخص VIP. وتم توجيه وإجلاس الضيوف بسلاسة واحترام وضمان انسيابية الحركة داخل الصالة.

وعند الساعة التاسعة مساءً، أمسك والد العريس الميكروفون ورحب بالضيوف وشكرهم للحضور وتكبد عناء المشاركة والسفر من مسافات بعيدة وأعلن انطلاق فعالية الضيافة الغذائية واعتذر مسبقًا عن أي تقصير.

بدأت لجنة إدارة قاعة الطعام عملها، لتنظيم دخول الضيوف بكل إجلال وحب وكرم ورحابة صدر، وتوجيههم للجلوس بكل ترتيب وهدوء لضمان حسن الضيافة روحًا ومعنى وطعامًا وابتسامة. تم منع أي تصوير للضيوف وهم يتناولون طعامهم لكون ذلك من خصوصية الضيافة ولا يحق تصويره أو نشره. وتم التأكد بأن كل من وَلَج قصر الضيافة قد تم إكرامه وإطعامه.

واستمر المنشدون في إبداعاتهم وتشنيف مسامع الحضور بأطياف متعددة من الأناشيد والجلوات والشعر مع مراعاة ضبط مستوى الصوت عبر المكبرات وأخذ أقساط من الراحة بين الحين والآخر.

ومع قرب ختام برنامج حفل الزفاف - صالة الرجال - في تلك الليلة، اشتعلت ودبت روح الحياة المفعمة بالحيوية والنشاط في صالة النساء وبلغت ذروة حفل النساء قبيل أن يتم زف العريس نحو قاعة النساء.

انطلقت أصوات الأهازيج والزغاريد في حضور أم العريس وجداته وعماته وخالاته واختلطت دموع الفرح للأمهات بابتسامات وضحكات وزغاريد المهنئات.

ترتيب، تعاون، تناغم، وتخطيط؛صنعوا لذاكرة العريسين وأهلهما والحضور وإدارة قاعة الأفراح ليلةً لا تُنسى.

وحتى مع تصاعد أصوات قرع طبول الحرب في سماء المنطقة، فإن إنسان الوطن قال ويقول: إننا نحب الحياة ونحب أن نمدها بأسباب البقاء.

رجعت بذاكرة والد العريس أيام زواجه حيث أحداث قرع طبول الحرب لعام 2003 م، فخر الأب ساجدًا لله وقال: الحمد لله ما زلنا ننعم بنعم الأمن والأمان والاستقرار. فنلبس ثياب العرس البيضاء حتى مع ارتفاع أصوات قرع طبول الحرب في سماء المنطقة لتجذير البقاء وإمداد أسباب الحياة. فأدام الله علينا وعلى جميع المسلمين والصالحين والمؤمنين نعمة الأمن والأمان. فأطلق الأب رسالة شكر مفتوحة لكل الحضور والمشاركين والمهنئين والكوادر في الصالة والإنتاج الفني والتصوير والمنشدين، وختمها بالقول: ”الحمد لله رب العالمين“.