آخر تحديث: 25 / 4 / 2026م - 10:48 م

في نقد الفن الخوارزمي.. حتمية الروح الإنسانية في مواجهة النفايات الذكية

المختار موسى بوخمسين

تفيض شاشات اليوم بمحتوى غزير يُولّده الذكاء الاصطناعي بنقرة زر واحدة وبضع كلمات حافة تصف ”الغرض التوليدي“. ومع هذا الضخ غير المسبوق، نجد أنفسنا أمام حالة شعورية مزدوجة وصريحة: ”الذهول“ في اللحظة الأولى من دقة المخرج وسرعته، يعقبه مباشرة موت هذا الانبهار حين تصفعنا حقيقة أن ما نراه ليس سوى ”مكرور مستهلك“.

للتوضيح أكثر: نحن ننبهر ببراعة الأداة، ثم نملّ فوراً من برودة المخرج. فالآلة قادرة على محاكاة الشكل بامتياز، لكنها تفشل تماماً في اختلاق الشعور. من هنا تأتي هذه الوقفة لإعلان حقيقة لا تقبل المواربة: الذكاء الاصطناعي المجرد لا يصنع فناً، بل ينسخ قوالب ميتة. ولن تُكتب الحياة لأي عملٍ فني في هذا العصر، إلا إذا تدخل الإنسان لكسر هذا الجمود، وبثّ روحه في جسد الخوارزميات البارد.

وهم الابتكار وفخ النمطية

إن مخرجات الذكاء الاصطناعي، مهما بلغت من الرقي والتعقيد، تظل في جوهرها ”حالة نمطية“. قد تبدو في لقائها الأول ابتكاراً مذهلاً وجديداً على ذائقتنا، لكنها سرعان ما تسقط في فخ الجمود، وتستحيل إلى قوالب مكررة ومملة مع كثرة الاستهلاك والتراسل. الآلة لا تبدع من عدم، بل تعيد تدوير ما تملكه في قواعد بياناتها، لتقدم لنا سراباً يحاكي الإبداع ولا يملكه.

المُوجّه (Prompter) وبعث الشياطين الفنية

وفي أي مشروع فني مطول يُستعان فيه بالذكاء الاصطناعي، يصبح لزاماً أن تتجدد ”بذرته“ على الدوام. يقع العبء هنا على عاتق المُوجّه البشري، فهو المطالب بأن يبذر من روحه ما يطغى على حالة الجمود الفني المتأصلة في الآلة. ولا بأس، بل من المحبذ، أن يُدار العمل عبر فريقٍ من الموجهين العابرين للتخصصات. فكل واحدٍ منهم سيبذر من روحه الفردية بذرةً تخصصية، ويبعث من عقله قبساً يحيل لغة الآلة الميتة (الأصفار والآحاد) إلى ”شياطين فنية“ متمردة، تحرق سكون المعالج وتكسر رتابة الخوارزميات.

قداسة الكدح الإنساني

إن الحكاية، حين ترويها الهوية الإنسانية، فإنك لا تتلقاها عقلاً يقرأ سلسلة أحداث تتعاقب، بل روحاً تعيش معها رحلة عبور. أنت تعلم يقيناً أن سحرها نابعٌ من تفاني الروح، واعتلاج النفس، وقدح العقل، وكدح الجسد. وكما عبّر أحد النقاد المؤثرين في استدراك هذه الفجوة ببراعة:

”سأبكي على لوحة ابني ذي الخامسة لكوخ بدائي: مربع فيه شكل باب ونافذة ويعلوه مثلث متساوي الضلعين يخرج منه مدخنة صغيرة. ويقبع هذا الكوخ على مساحة خضراء. وفي زاوية الصفحة يوجد دائرة صفراء تمثل شمساً. ولكني لن أهدر طاقتي العاطفية أو يهتز لي طرف من منظر ساحر ولدته خوارزمية ذكية. فالأولى تحكي كدح سنين خمس لأبوين احتضنا نفحة من روح الله، تفتقت حواسه ببدعة ستسمو تحت عين الرعاية. أما الثانية فهي محض استدعاء رياضي ميت، وعملية إحصائية باردة سطت على آلاف اللوحات التي شقي فيها بشرٌ حقيقيون، لتُخرج لنا سراباً متقناً لا نبض فيه، ولا عين سهرت عليه، ولا يد شقيت في رسمه.“

هذه ”الجذوة الإنسانية“ وتلك المعاناة هي التي تحوّل الفن —وإن كان قبيحاً أو غير مكتمل— إلى جمالٍ خالص. وفي المقابل، فإن غيابها يحيل أجمل المرايا الخوارزمية المتلألئة إلى حجرٍ بارد.

طوفان ”النفايات الذكية“

هذا المقصد لا يختص على النص المكتوب فحسب، بل يمكن تعميمه على المخرج الفني بعمومه. فبغياب البصمة الإنسانية، والاعتماد الكسول على الآلة، بتنا نرى اليوم طوفاناً مما يمكن تسميته بـ ”النفايات الذكية“، محتوىً يملأ أرجاء الشبكة نصاً، وصوتاً، وصورةً، وحركةً. إنه محتوىً تفاعلي في ظاهره، ولكنه فارغٌ من أي روح، ومجردٌ من أي دهشة حقيقية.

بل إننا نشهد اليوم حالةً من ”الإجهاد الذوقي والذهني“ جراء هذا الضخ، إجهادٌ يتجلى صراحةً في التذمر والنفور المتزايد من هذه القوالب الباردة. غير أن هذا الحكم لا ينسحب على الكُلّ، فوسط هذا الركام، ثمة ومضاتٌ تستحق بصدقٍ التوقف عندها، واستحسانها، واستخلاص العبرة منها. وهذا الاستثناء الراقي يتحقق فقط في ذلك النوع من الفن الذي طُوّعت فيه الآلة لتكون محض ”أداةٍ للمعنى“ في يد مبدعها البشري، بدلاً من أن تُترك لها حرية ادعاء ”خلق المعنى“ من تلقاء نفسها.

سيادة التوجيه بعين بشرية

إن الدعوة إلى الامتناع المطلق عن الذكاء التوليدي هي دعوة تفتقر إلى الواقعية. فالتكنولوجيا تمضي، والأداة تتطور، وإدارة الظهر لها ليست حلاً. لكن الانخراط فيها يجب ألا يكون عمومياً مقولباً مستسلما، بل يجب أن يكون مأسوراً ومنساقاً للإرادة البشرية في كل خطوة من خطواته.

فالفن في جوهره لا يُختصر ولا يُختزل. نعم، لقد تطورت الأداة لتطوي المسافات، لكن ”العملية الإبداعية“ يجب أن تبقى في غاية التقصّد والوعي، عمليةً صارمة لا يُخلّ بها اقتصاد الجهد ولا يفسدها الاستسهال.

لذا، فإن الوصية الكبرى لمن أراد ترويض هذه التكنولوجيا هي: التوجيه.

وجّه الآلة على مستوى الغاية الكبرى، ووجّهها في أدق التفاصيل. وجّه في ”النية“ ووجه في ”العمل“. ابدأ بالتوجيه الحازم في الانطلاقة، ثم أعد التوجيه بصرامة في المراجعة والتقويم. وجّه ثم وجّه ثم وجّه، فلا حيلة لك مع هذه الآلة العجيبة، ولا سلطان لك على سحرها، إلا بـ ”التوجيه“، لتبقى أنت المعماري الذي يبني، وتبقى هي الطين الذي يتشكل.