آخر تحديث: 26 / 4 / 2026م - 3:10 م

عندما يتحدّث القلم

محمد يوسف آل مال الله *

منذ أن بدأت كتابة أوّل مقالة لي في إحدى المنتديات في التسعينيات، وأنا شغف بالكتابة حتى ذبت عشقًا فيها فصرت أكتب على كل قصاصة ورق تقع في يدي ويظل جيبي ممتلئًا بالقصاصات وأشعر بالضيق كثيرًا حينما أكون مضطرًا للتخلّص منها.

القلم ليس مجرد أداة تُسكب بها الحروف، بل هو شاهد على الوعي، وحارسٌ للمعرفة من الضياع. حين يتحدث القلم، فإنّما يتحدث التاريخ، وتُروى به قصص الإنسان، وتُصان به تجاربه من أن تذروها رياح النسيان. ولعل أول ما يلفت النظر في مكانة الكتابة أنّ الله سبحانه وتعالى أقسم بها، فقال: ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ [القلم: 1]، وهذا القسم الإلهي يكشف عن عظمة ما يُكتب، وأثره العميق في بناء الحضارات وحفظ القيم.

لقد كانت الكتابة منذ فجر الإسلام وسيلةً لحفظ الوحي، وتثبيت الرسالة، وصونها من التحريف. فالقرآن الكريم لم يكتفِ بالحفظ في الصدور، بل دُوِّن في السطور، ليبقى نورًا هاديًا عبر الأجيال. ومن هنا جاءت الآية الكريمة التي تُعدّ أطول آية في القرآن، وهي آية الدَّين، لتؤكد مبدأ التوثيق: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ… [البقرة: 282]. إنّها دعوة صريحة إلى الكتابة كوسيلة لضبط الحقوق ومنع النزاعات، وهو بعدٌ عمليّ يُظهر أنّ القلم ليس للثقافة فقط، بل للحياة أيضًا.

وفي تراث أهل البيت ، نجد تأكيدًا متكررًا على أهمية تدوين العلم. فقد رُوي عن أمير المؤمنين الإمام علي قوله: ”قيّدوا العلم بالكتابة“، وهي عبارة موجزة تختصر فلسفة عميقة؛ فالعلم إن لم يُكتب، يتفلّت، وإن لم يُقيّد، يتبدّد. كما ورد عن الإمام الصادق : ”اكتبوا فإنّكم لا تحفظون حتى تكتبوا“، في إشارة إلى أنّ الكتابة ليست مجرد حفظٍ خارجي، بل وسيلة لترسيخ الفهم في الداخل.

إنّ المجتمعات التي تُهمل الكتابة، تُعرّض ذاكرتها الجماعية للتآكل. كم من فكرة عظيمة اندثرت لأنّها لم تُدوَّن، وكم من تجربة إنسانية ثمينة ضاعت لأنّها لم تُحفظ! بينما الأمم التي احترمت القلم، صنعت لنفسها تاريخًا ممتدًا، لا ينقطع بانقطاع الأفراد.

واليوم، في عصر السرعة والتدفّق الرقمي، تزداد الحاجة إلى إحياء قيمة الكتابة الواعية، لا لمجرد التوثيق، بل لصناعة المعنى. فحين يكتب الإنسان، فإنّه يعيد ترتيب أفكاره، ويمنح تجربته بُعدًا أعمق، ويُسهم في بناء وعيٍ جماعيّ يتجاوز حدود الزمان والمكان.

عندما يتحدث القلم… فهو لا ينقل كلمات فحسب، بل يصنع أثرًا، ويترك بصمة، وقد يكون سطرٌ واحد سببًا في هداية إنسان، أو إحياء أمة. لذلك، لا تستهِن بما تكتب، فقد يكون ما تخطّه اليوم حياةً لغيرك غدًا.

التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 1
1
عماد آل عبيدان
26 / 4 / 2026م - 11:49 ص
القلم ينقل فكرًا وشعورًا وأثرًا لا حروفًا فحسب يا أبا يوسف. فالكلمة الصادقة تبقى ويمتد أثرها مع الأيام. جميلة تلك القصاصات الصادقة في جيب الثوب.