آخر تحديث: 26 / 4 / 2026م - 3:10 م

ما لا يُسوق... لا ينجح

الدكتور جعفر أحمد قيصوم

ليس كلُّ ما يُولد يُكتب له البقاء، ولا كلُّ ما يبدأ يجد طريقًا إلى الاستمرار؛ فكم من منتجاتٍ أو خدماتٍ انطلقت بقوة ثم خمدت، وكم من محاولاتٍ بدأت بحماسٍ ثم تلاشت، وكم من أفكارٍ وُلدت في عقولٍ مبدعة ثم دُفنت؛ ليس لأنها لم تكن قادرة على النجاح، أو قابلة للحياة، بل لأنها لم تُدَر بوعي، ولم تُمنح حقها في الظهور.

وفي المقابل، نجد مشاريعَ وأفكارًا أقل عمقًا أو أقل تميزًا، لكنها نجحت في الانتشار والتأثير، واحتلت موقعها في السوق؛ ليس لأنها الأفضل أو الأكفأ في كل الأحوال، بل لأنها الأكثر حضورًا، ووعيًا، وفهمًا لقواعد اللعبة؛ فهم يعرفون متى يظهرون، وكيف يتحدثون، وبأي صورة يقدّمون أنفسهم.

وهنا تكمن المفارقة الجوهرية التي يتغافل عنها الكثيرون، وهي: أن الكفاءة إذا بقيت في حدود صاحبها، فهي قيمة معطّلة، فالقيمة التي لا تُرى لا تُحسب، والجهد الذي لا يُفهم لا يُقدّر، تمامًا كمصباح لا يضيء، أو كطاقة لا تُستثمر، أو كآلة لا تُشغّل؛ وأن الموهبة، إذا لم تُقدّم، أو تُعرض بالشكل الصحيح، فقد تبقى مجهولة أو مهمّشة، وكأنها لم تكن موجودة، بل قد تكون أشبه بكنز مخفي لا ينتفع به أحد؛ لأن العالم لا يُكافئ ما نكتمه، أو نحتفظ به لأنفسنا، بل يُكافئ من يُحسن تقديمه، أو إبرازه للآخرين بصورة واضحة وفاعلة.

وقد لخّص الفيلسوف الفرنسي ميشيل دي مونتين هذا المعنى حين قال: «إنّ قيمة الإنسان لا تكمن في ما يملكه، بل في ما يُظهره من نفسه»، كما عبّر أمير المؤمنين عليّ عن المعنى ذاته بقوله: «قيمة كلِّ امرئٍ ما يُحسنه»؛ لأن الإحسان إذا لم يتحول إلى ظهور وتأثير، بقي كأنه غير موجود في الحياة العملية.

وهذا ما تؤكده التجارب الواقعية في ميادين الإدارة والاقتصاد والإعلام، حيث نجد أن مشاريع قوية من حيث الفكرة والمحتوى فشلت في الوصول، بينما مشاريع أخرى أقل كفاءة وجودة نجحت في الانتشار والتأثير؛ والسبب أنها أتقنت فن الظهور مع الجودة، وبنت حضورها بوعي واستمرار.

غير أن هذا الفهم كثيرًا ما يُساء تفسيره، فيُظن أن الظهور والتسويق للمشروع أو للفرد يتعارض مع الإخلاص والنية الصادقة، وكأن الإنسان أمام خيارين متناقضين: إما أن يكون مخلصًا أو حاضراً، والحقيقة أن الإخلاص يتعلق بالنية، وهي اختصاص رباني، أما الظهور فيتعلق بطريقة تقديم القيمة، ولا تعارض بينهما.

وهنا يُطرح السؤال التالي: ما الذي نعنيه فعلًا بالتسويق؟ وهل هو مهارة أم ضرورة؟ وكيف يمكن للإنسان أن يقدّم نفسه بقيمته الحقيقية دون أن يُفرّط في الإخلاص أو يقع في المبالغة؟

ما هو التسويق؟

إن الأشخاص الذين لا يعرفون كثيرًا عن التسويق ربما يظنون أن التسويق يعني شراء السلعة أو الخدمة بغرض استهلاكها أو بيعها، وربما يعني الإعلان عنهما عبر وسائل الإعلان المختلفة، لكن الحقيقة أنَّ التسويق هو: عملية شاملة تبدأ قبل الإنتاج، وتهدف إلى فهم احتياجات الناس ورغباتهم ومن ثَمَّ تصميم وتقديم قيمة حقيقية تُلبي تلك الاحتياجات، مع ملاحظة: أن هناك خلطًا بين مفهومي المبيعات والتسويق؛ فالتسويق هو الذي يصنع الرغبة ويُهيئ القبول، أما المبيعات فهي جزء من التسويق، يتم فيها تحويل القبول، إلى قرار فعلي.

فلو أخذنا على سبيل المثال: مطعمًا يقدّم ألذ الطعام، لكنه بلا اسم واضح، وبلا صورة ذهنية، وبلا هوية بصرية، أو بلا حضور في الوعي العام، سيبقى كأنه غير موجود؛ حتى ولو كان يتفوق على غيره في الجودة والطعم والخدمة، وفي المقابل، مطعمٌ آخر أقل جودةً وخدمةً، لكنه يملك اسمًا جذابًا، وصورة مغرية، وتجربة بصرية، وحضورًا ثابتًا في ذهن الناس عبر الإعلان والإعلام والتواصل والسمعة، فإنه بلا شك سينجح في جذب العملاء واستمرارهم، لأنه لم يقدّم الطعام فقط، بل قدّم نفسه كقيمة مُدركة ومُعرّفة ومُسوّقة بشكل صحيح.

وينطبق الأمر ذاته على بيئة العمل: فالموظف الذي يعمل بصمت، وينجز بإتقان، لكنه لا يربط إنجازاته بالأثر ولا يقدّمها في سياقها الصحيح، ولا يُحسن عرض ما يقوم به بطريقة مهنية واضحة، سيبقى جهده محدود الأثر وقد لا يُرى إلا داخل نطاقه الخاص.

في حين أن موظفًا آخر، قد يكون أقل جهدًا، وأقل كفاءة، لكنه يجيد تقديم عمله، ويظهر في التوقيت والمكان المناسب، ويجعل أثره مفهومًا ومقروءًا لدى الآخرين، فيتحول حضوره إلى قيمة، وتُفتح له الفرص.

التسويق: الفهم الذي يسبق الظهور

ومن هنا، يتضح أن التسويق ليس خيارًا تجميليًا أو مجرد حضورٍ في وسائل التواصل، بل هو مهارة وضرورة في آن واحد؛ مهارة لأنه يقوم على أدوات يمكن تعلمها وتطويرها مثل العرض، والإقناع، والتواصل، والتحليل، وهو في الوقت ذاته ضرورة؛ لأنه بدونه لا تصل القيمة إلى من يحتاجها، ولا يتحقق الأثر، ولا يُبنى الحضور في وعي الناس.

وقد أكدت تقارير «مراجعة أعمال هارفارد» أن نسبة كبيرة من فشل المشاريع لا تعود إلى ضعف المنتج بقدر ما تعود إلى سوء فهم السوق وضعف الوصول إليه؛ ويمكن ملاحظة ذلك بوضوح في قصة شركة Kodak التي كانت رائدة في التصوير الفوتوغرافي، بل وكانت من أوائل من ابتكروا الكاميرات الرقمية، ومع ذلك فشلت في الحفاظ على موقعها الريادي؛ ليس لضعف تقني أو نقص في الإمكانات، بل لأنها لم تُحسن قراءة تحولات السوق، ولم تُسوّق الابتكار الجديد بالوعي والسرعة الكافية، فسبقتها شركات أخرى استطاعت أن تفهم التغير في سلوك المستهلك وتُعيد تقديم القيمة بشكل يتناسب مع ميوله ورغباته، ولهذا، يؤكد رائد التسويق الدكتور فيليب كوتلر أنَّ التسويق ليس فنّ بيع ما تُنتج، بل فنّ معرفة ما ينبغي أن تُنتج.

كيف تقدّم نفسك كما هي:

التواضع الحقيقي في جوهره خلقٌ رفيع، وقيمةٌ أخلاقية عالية تُعزّز قبول الإنسان وتُقرّبه من الله والناس، لكنه حين يتحول إلى إنكار للإنجاز أو تهميشًا للذات أو إخفاءً متعمدًا للقيمة، يصبح خللًا لا فضيلة، وعائقًا لا ميزة؛ وقد ورد عن الإمام عليّ قوله: «لا يستصغرنّ أحدٌ قدر نفسه».

وفي بيئات العمل، كثير من الأشخاص الأكفاء لا يُدركون قيمتهم الحقيقية أو لا يُحسنون التعبير عنها، فيفشلون في كتابة السيرة الذاتية مثلاً، أو في المقابلة الشخصية أو في ربط إنجازاتهم بالأثر الذي أحدثوه؛ فتضيع جهودهم، بينما يتقدم غيرهم ممن يحسنون عرض أنفسهم بطريقة مفهومة ومقنعة، وقد لخص بيتر دراكر هذه الإشكالية حين قال: «إذا لم تستطع أن تُظهر ما تقوم به، فلن تستطيع تطويره أو الاستثمار فيه».

وفي المقابل، هناك من يصنع لنفسه صورة أكبر من واقعه، فيُبالغ في الإنجاز، وفي تضخيم النتائج أو في نسب الفضل لنفسه؛ وهذا النوع لا يضر الآخرين فقط، بل يضر صاحبه على المدى البعيد؛ لأنَّ الصورة المصطنعة لا يمكن أن تصمد أمام اختبار الزمن، وكما ورد عن أمير المؤمنين : «من ادّعى ما ليس فيه كذّبته شواهد الامتحان».

وبين طرفي التواضع المُخفي للقيمة، والتضخيم المُشوّه لها، تتجلّى الحالة المتوازنة وهي: أن يُقدم الإنسان نفسه كما هي، لا أقلّ ولا أكثر، بصدق ووعي؛ فالتوازن لا يعني الصمت، ولا يعني الضجيج، بل أن تعرف ما تملك، فتُحسن التعبير عنه، وأن تُدرك أثر ما تفعل، فتربطه بالنتائج، وأن تُظهر إنجازاتك بلغةٍ يفهمها الآخرون دون مبالغة أو إخفاء.

وكما أن للمنتجات عناصر تسويق تُظهر المنتج وتسوّقه وتجعله ناجحًا ومنتشرًا كالتغليف والعرض، والتجربة وقنوات التواصل، فإن للإنسان أيضًا عناصر وسمات تسوقه وتُظهره، كأسلوبه، ولغته، وحضوره، وسمعته.

بل حتى الكائنات في الطبيعة لا تكتفي بامتلاك مقوماتها، بل تُظهرها، وتُخرجها إلى العلن بالقدر الذي يجعلها مرئية ومفهومة في محيطها، كالزهور التي لا تحتفظ بعطرها، بل تنشره ليكون دلالتها، والطيور التي لا تُخفي ألوانها، بل تُظهرها لتُلفت الأنظار، أو كالحيوانات التي تبرز قوتها أو تُطلق أصواتها حين يقتضي الموقف؛ وكل ذلك ليس ترفًا، بل ضرورة تفرضها سنن البقاء، فما لا يُظهر نفسه… لا يُختار، وما لا يصل أثره لا يستمر.

الخاتمة

وفي النهاية، يمكن أن نقول: ليس المهم فقط أن يكون ما لديك جيدًا، بل أن يكون حاضرًا في وعي الناس؛ ولا يكون حاضرًا في وعي الناس إلا إذا تم تقديمه وإبرازه باللغة التي يفهمونها؛ فالنجاح في كثير من الحالات لا يُحسم داخل الفكرة نفسها بل في طريقة خروجها إلى العالم، ولهذا فإن ما لا يظهر… لا يُعامل كأنه موجود مهما كانت قيمته.