المشاركة الكويتية في الثقافة العربية
ما زلت أتذكر ذلك اليوم القائظ من سنة 1973 م حين تواصل معي محمد طنطاوي، محرر الاستطلاعات الصحفية عن المدن العربية والإسلامية، لمساعدته في فتح أبواب مدينتي «القطيف» أمام قراء مجلة «العربي» المستمتعين بدخول عوالم تلك المدن، بواسطة كاميرا عبد الناصر شقرة، مصور المجلة.
كنت وقتها طالبًا في المرحلة الثانوية، وقد بدأت خطواتي على درب الصحافة المثير، متابعًا ما كان يدور في صحافة لبنان ومصر والكويت؛ حيث أتسابق وزملائي على اقتناء ما تصدر من صحف ومجلات، وكان في مقدمتها مجلة «العربي» تشدنا بمحتواها الموسوعي الجذاب، خاصة حديث رئيس تحريرها الشهري د. أحمد زكي. هذا المعلم الكيميائي الذي نال أطروحة الدكتوراه في جامعة لندن؛ ليصبح المشرف على مركز البحوث العلمية. لقد أهلته ثقافته الموسوعية الجامعة بين العلم والأدب ليرأس تحرير مجلة «الهلال»، وبعدها رئاسة جامعة الملك فؤاد الأول «جامعة القاهرة».
لعل انحسار دور المجلات الأدبية في مصر فيما بين الحربين العالميتين - مثل «الكاتب المصري» برئاسة طه حسين، و«الثقافة» لأحمد أمين، و«الرسالة» لأحمد حسن الزيات - قد حفز النخبة الكويتية من مثقفين وأدباء ورجال مال وأعمال؛ لتكون لبلدهم المنتظر استقلاله مجلة تأخذ بالكويت الصغيرة إلى اهتمام العرب، متأثرين بما كان يجري حينذاك من أحداث قومية في مشارق العالم العربي ومغاربه، وقد استضافت الكويت قبل استقلالها رموزًا من مناضليهم، فارين من اضطهاد الاستعمار الأوروبي.

ويدهش المطلع على تاريخ الكويت الثقافي كيف قام علماؤها وأدباؤها وأثرياؤها وشخصياتها العامة، منذ نشأة الكويت، بنسخ مخطوطات التراث العربي والإسلامي، وتبني فتح مكتبات عامة، وإنشاء مدارس، وإصدار صحف ومجلات، رغم ضعف الإمكانات الطباعية؛ تأثرًا بما كان يصلهم عبر سفن الغوص على اللؤلؤ من مجلات وصحف تصدر من أقصى القارة الهندية إلى أقرب جارٍ للكويت، فإذا بعبد العزيز الرشيد يصدر سنة 1928 م مجلة «الكويت»، وهاشم الرفاعي بعده يصدر صحيفة من البصرة.
حين قابلت أحمد السقاف، الأديب والشاعر، سنة 1994 م في برنامجي «هذا هو» من خلال قناة MBC, فتح أمامي صفحات ما جرى تحضيرًا لإصدار مجلة «العربي»؛ حيث تحمس الشيخ صباح الأحمد الصباح، مدير إدارة النشر والمطبوعات قبل الاستقلال ‐أي وزير الإعلام بعده‐ إذ استقر الرأي على إصدار مجلة باسم «العربي»، وقد كُلّف السقاف بالسفر إلى أهم عواصم الثقافة العربية للاجتماع بأبرز مفكريها وأدبائها.
فبدأ سنة 1957 م السفر جوًّا إلى بغداد، مجتمعًا بالمفكر القومي عبد العزيز الدوري، والمحقق محمد بهجة الأثري، وأكاديميين من جامعة بغداد. غادر بعدها إلى لبنان متواصلًا مع نائب رئيس الجامعة الأمريكية ببيروت فؤاد أفرام البستاني، الذي أصدر وأخوه يعقوب مجلة «المقتطف» في القاهرة، أسوة بما أصدره قبلهما جورجي زيدان وأخوه إميل بمجلة «الهلال»، وآل تقلا الذين أصدروا جريدة الأهرام، أثناء هجرة الشوام إلى مصر فرارًا من الطغيان العثماني.

ولم ينس السقاف في رحلته التاريخية هذه الإفادة من خبرة محققي التراث العربي، التي أفادت وزارة الإعلام الكويتية مبكرًا من علمهم في طباعة عددٍ مختار من نفائس المخطوطات العربية، وفي طليعتها ما أنجزه ‐مؤخرًا‐ المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب من طباعة معجم «تاج العروس» للغوي مرتضى الزبيدي في أربعين جزءًا.
أما الأمر المثير حقًا في رحلة السقاف التحضيرية هذه لإصدار مجلة «العربي»، فهو إقناعه السريع أحمد زكي ‐الوزير السابق والمشرف على مركز البحوث ورئيس الجامعة في بلده المتمدن عمرانيًا واجتماعيًا وثقافيًا حينها‐ بالانتقال إلى دولة صغيرة ناشئة لم تكن تمتلك بعد بنية تحتية تهيئ لحياة عصرية.
ونظرًا لتوفر إرادة سياسية طموحة، فقد سافر السقاف ‐وقتذاك‐ إلى ألمانيا لحضور معرض عالمي لآلات الطباعة؛ لكي تختص المجلة الوليدة بمطبعة خاصة بها، حيث كان ضعف مستوى الطباعة في الكويت منذ بداية القرن العشرين سببًا في تعثر استمرار ما حاوله بعض عناصر المجتمع الأهلي والثقافي من إصدار صحف ومجلات.
هكذا صدر العدد الأول من مجلة «العربي» في ديسمبر 1958 م، ليكون من حسن طالعها التفاعلي انعقاد مؤتمر الأدباء العرب في الكويت متزامنًا مع صدورها.
في الوقت الذي تفتق وعيي على مجلة «العربي» وهي في ذروة ازدهارها وتألقها، كانت إذاعة الكويت هي الأخرى تشكل مصدرًا معرفيًا لجيلي، بما كان يصلها من مشاركات بعض الأكاديميين العرب الوافدين إلى الكويت للتدريس في جامعتها الوليدة سنة 1966 م، وكان في طليعتهم الدكاترة عبد الرحمن بدوي، وزكي نجيب محمود، وشاكر مصطفى، ومحمود علي مكي، وأحمد أبو زيد، وفؤاد زكريا، الذين وفرت لهم الكويت جوًا من الاستقرار النفسي والحرية الفكرية.

فإذا بوكالة المطبوعات الكويتية تطبع معظم ما ألفه عبد الرحمن بدوي من كتب تتعلق بتراث الفلسفة اليونانية والعربية، وقد أصبح أستاذًا للفلسفة في جامعة الكويت جنبًا إلى جنب مع زكي نجيب محمود، هذا الذي طالما استمتعت ‐وقتذاك‐ بحوارات رمضان لاوند، المذيع اللبناني اللامع بفكره الوقاد، مع فيلسوف الوضعية المنطقية بواسطة أثير إذاعة الكويت.
فقد وجد هذا المفكر المصري في جو الجامعة العلمي، ومكتبتها الزاخرة بأمهات الكتب التراثية، فرصة ذهبية للاستغراق في قراءتها، بعدما انكب على قراءة الفكر الأوروبي بمدارسه الفلسفية والأدبية المختلفة، أثناء دراسته منذ الأربعينيات الميلادية في جامعة لندن. ورغم أنه حاول استدراك ما فاته عربيًا وإسلاميًا بكتابة بحثه الدسم عن الفيلسوف والعالم الكيميائي جابر بن حيان، المنشور سنة 1960 م في سلسلة «أعلام العرب» المصرية، إلا أن ذلك لم يشف غليله، وقد بدأ يشتغل على أطروحته حول «الأصالة والمعاصرة» الجامعة بين روحانية الشرق وعقلانية الغرب، كما تطارحتها معه في برنامجي التلفازي «الكلمة تدق ساعة» وأنا أزوره في شقته القاهرية صيف 1978 م، أي بعد عودته من الكويت بخمس سنوات، بعدما استقر بين أروقة جامعتها منذ 1968 م إلى 1973 م.
وفيها أكد تدينه المستنير كما يذهب تلميذه د. إمام عبد الفتاح إمام في كتابه «رحلة في فكر زكي نجيب محمود»، بل إن هذا سجل إضافته الفكرية في تجربته الحائرة، حين أسفرت قراءاته النهمة لأمهات كتب التراث العربي الإسلامي عن تأليف كتابه «تجديد الفكر العربي» الصادر سنة 1971 م، وكتابه الآخر المكمل «المعقول واللامعقول في تراثنا الفكري».
انظر إلى ما كتبه في مقدمة كتابه الأول: «استيقظ صاحبنا بعد أن فات أوانه، فإذا هو يحس الحيرة تؤرقه، فطفق في الأعوام الأخيرة التي لا تزيد على السبعة أو الثمانية ‐أي في الفترة التي قضاها في جامعة الكويت‐ يزدرد تراث آبائه ازدراد العجلان… والسؤال ملء سمعه وبصره: أين السبيل إلى ثقافة موحدة متسقة يعيشها مثقف حي في عصرنا هذا، بحيث يندمج فيها المنقول والأصيل في نظرة واحدة؟» ويختم محمود مقدمته بجملة «جامعة الكويت في يونيو 1971 م».
بعد سنة من مغادرته إلى مصر عاد إلى الكويت ثانيةً مشاركًا ببحثه «الحضارة وقضية التقدم والتخلف» في ندوة كبرى عُقدت بين 7 و 12 أبريل سنة 1974 م، مع نخبة من أبرز مفكري العرب على اختلاف توجهاتهم الأيديولوجية، بدعوة من جامعة الكويت وجمعية الخريجين الكويتية، لمناقشة «أزمة التطور الحضاري في الوطن العربي»؛ إيمانًا من مفكري العرب بمسؤوليتهم القومية أمام التاريخ وأمام الأجيال العربية المقبلة، وشعورًا منهم ‐كما جاء في بيان الندوة الختامي‐ بخطورة المرحلة الحضارية التي تمر بها الأمة العربية في الظروف الراهنة؛ لمواكبة شعوبها مسيرة الحضارة العالمية في تطورها المتسارع.
ناقشوا قضايا التخلف الفكري والاجتماعي والاقتصادي، والتراث العربي الإسلامي، وتبعات الاستعمار الغربي في المجتمع.
قبل انعقاد الندوة اللاحقة التي عقدت في الكويت سنة 2014 م حول الموضوع نفسه، بمشاركين آخرين ورؤى مختلفة متجددة، وجدنا عددًا من المفكرين العرب منذ منتصف السبعينيات الميلادية يشتغلون على ما أثارته الندوة الأولى من قضايا وإشكالات. فقام المفكر المغربي محمد عابد الجابري في الثمانينيات الميلادية بمحاولة تفكيك سلطة النص المحافظ، منتقدًا هيمنة التراث الفكري على العقل العربي طوال قرون، وذلك في مشروعه التأليفي المعروف بـ «نقد العقل العربي».
وهو ما عالجه قبله د. طيب تيزيني، أستاذ الفلسفة بجامعة دمشق، في كتابه «مشروع رؤية للفكر العربي في العصر الوسيط» بأجزاء عدة. ثم عمّق أطروحته حسين مروة بكتابه «النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية» سنة 1978 م، برؤية تحليلية تكاد لا تغادر الخطاب الماركسي، بتحليل التراث وفق مقولة الصراع الطبقي، وإقحام التصور الماركسي في تحليل واقع المجتمع العربي وتاريخيته.
وهذا ما فعله محمود أمين العالم في تعليقه على بحث رفيق دربه المفكر المصري أنور عبد الملك، المعروف بأطروحته الشهيرة عن «مصر مجتمع عسكري»، منتقدًا موقف المثقف العربي من قضية «الخصوصية والأصالة»، وكان هذا عنوان ورقته في ندوة الكويت الأولى، معزيًا ذلك إلى تبعيته للفكر الغربي في مفاهيمه ومناهجه. فما كان من العالم سوى استدعاء التصور الماركسي الدوغماتي حول «الخصوصية التاريخية»؛ ليكون حسب رأيه أساسًا أيديولوجيًا في دراسة المجتمع المصري لمعرفة طبيعة تركيبه الاجتماعي والاقتصادي والموضوعي.
على أي حال، أحسب أنه في أعقاب هذه الندوة التاريخية تشجع المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب الكويتي، بأمانة الشاعر المثقف أحمد مشاري العدواني ومساعدة الشاعر الأكاديمي خليفة الوقيان، على إصدار كتاب «عالم المعرفة»، بالإفادة من خبرات بعض من شارك في الندوة الأولى ‐كما لمست ذلك من مقاله المنشور في مجلة «العربي» بعنوان «ميلاد عالم المعرفة».
وفي طليعة أولئك د. فؤاد زكريا، أستاذ الفلسفة بجامعة الكويت، الذي أصبح مستشارًا دؤوبًا صبورًا وفعالًا لهذا الإصدار المعرفي الشهري ‐تأليفًا وترجمةً. ويبدو أن المجلس الوطني عمل على التحضير لإصداره هذا بعد تأسيسه سنة 1973 م، متوخيًا طباعة خمسين ألف نسخة من كل كتاب وتوزيعه في جميع أنحاء العالم العربي.
هذا ما وجدته شخصيًا وأنا أتمشى في شارع الحبيب بورقيبة بتونس صيف 1978 م، مقتنيًا إصداره الأول كتاب «الحضارة» تأليف د. حسين مؤنس. لقد اكتسبت سلسلة كتاب «عالم المعرفة» على توالي السنين شهرة عربية واسعة، شاكرة جهود الكويت في نشر الثقافة الجادة منذ استقلالها سنة 1961 م إلى يومنا هذا؛ حيث شكلت إصداراتها بمجلة «العربي»، ومجلة «عالم الفكر» سنة 1970 م ذات الدراسات الأكاديمية برئاسة أحمد مشاري العدواني واستشارة أستاذ الأنثروبولوجيا المصري د. أحمد أبو زيد، ومجلة «الثقافة العالمية» ذات الموضوعات المعاصرة المترجمة، وكتاب «عالم المعرفة»، منظومة ثقافية راقية.
يضاف إليها تجربة الكويت المسرحية اللافتة، التي شكلت أساسًا راسخًا لقوة العرب الناعمة، انطلاقًا من الكويت التي عملت منذ 1979 م على تبني وتمويل «الخطة الشاملة للتنمية الثقافية»، بمشاركة أبرز الخبراء العرب بتخصصاتهم الثرية المتخصصة؛ لتصدر باسم المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم التابعة لجامعة الدول العربية سنة 1986 م، بحماس الوزير المثقف عبد العزيز حسين في اجتماع المنظمة التحضيري بالطائف، متعهدًا رعاية الكويت تلك الخطة، بوصفه رئيسًا للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب.
هذا الرائد الكويتي بدأ اهتمامه بإشاعة الثقافة منذ كان مشرفًا على «بيت الطالب الكويتي» في القاهرة سنة 1946 م، بإصدار مجلة «البعثة»، مستكتبًا مثقفين وأدباء كويتيين وعربًا فوق صفحاتها.
يا ترى، هل إصدار مجلة «البعثة» لمدة ثماني سنوات حتى سنة 1954 م كان مقدمة حبلى آذنت بعد أربع سنوات بولادة تلك البنت الجميلة في محتواها وشكلها، هي مجلة «العربي»؟











