نحو تربية متزنة
يمرّ أبناؤنا بمراحل عمرية متغيّرة، وفي كلّ مرحلةٍ تتشكّل فيها شخصية تُمثّلهم، وتظهر سلوكيات وأدوار يتقمّصونها، ومن أبرز المراحل العمرية التي لها تأثير كبير في تكوين شخصياتهم وعلاقاتهم بالأسرة والمجتمع مرحلة المراهقة؛ فهي مرحلة حسّاسة ومفصلية في حياتهم القادمة، إما أن تُسهم في بناء شخصية متّزنة مقبولة لدى المراهق نفسه وأسرته ومجتمعه، أو تكون على النقيض من ذلك.
ففي مرحلة المراهقة يمرّ الإنسان بالكثير من التغيّرات الجسدية والنفسية، مما يؤثّر في تفكيره والتزامه الديني والأخلاقي، وهنا يبرز دور الوالدين والمجتمع في كيفية التعامل مع المراهق ليتجاوز هذه المرحلة بسلام وأمان. ولذا لا بدّ من دعمه تربويًا ليشعر بالمقبولية ممن حوله، ولا يتحقّق ذلك إلا بالحبّ والاهتمام والاحترام من الآخرين، مهما كانت تصرفاته، مع منحه مساحة للتعبير عن مشاعره وأفكاره، ومساعدته على تعديل ما يحتاج إلى تقويم وإصلاح من الأفكار التي يتبناها في هذه المرحلة العمرية.
والمراهق يمرّ بالكثير من الهواجس والأفكار التي قد تُسبّب له اضطراباتٍ دينية، فنرى بعضهم يبتعد عن الدين وواجباته، كرفض ما فرضه الله تعالى من عبادات، كالصلاة والصوم، وفي المقابل قد يزداد بعض المراهقين في التشدد الديني فتتحوّل حياتهم إلى ممارسات عبادية غير متوازنة.
ومن جهة السلوكيات قد يميل بعضهم إلى الانكماش والتقوقع على نفسه، رافضًا الاندماج في الأسرة والمجتمع، بينما يسعى آخر إلى الهروب من أسرته، راغبًا في العيش بعيدًا عن توجيهاتهم، فتراه سريعَ الغضب، وشديدَ الانفعال عند أيّ نقد سلبي لتصرّفاته.
لذا لا بدّ من تفهّم هذه المرحلة من عمر أبنائنا ودراستها بشكلٍ واعٍ ولائقٍ للتعامل معها، ومن الضروري إشعار المراهق بأنّه فرد ذو قيمة ومكانة بين أهله وأقرانه ومجتمعه، مع وضع أهدافٍ واضحةٍ يسير عليها بإرادته، تكون مرتبطة بالدين والأخلاق ومنسجمة مع التعليم والأنشطة الحياتية وبعيدة عن المثالية المفرطة.
كما ينبغي إدراك أن غياب الوضوح والواقعية في الأهداف يؤدّي إلى فقدان الثقة بين المراهق وذويه، ويُسبّب له التشتّت والضياع الفكري والأخلاقي والديني. وفي المقابل، لا ينبغي وضع أهداف كبيرة ومفاجئة تتطلّب تغيّرًا سريعًا في سلوكه، بل يجب أن تكون الخطط الموضوعة متناسبة مع تفكيره، وتسمح بالتغيّر الإيجابي التدريجي لشخصيته نحو الأفضل.
ولا ينبغي أن نعيش خيبة الأمل إذا أخفق في تحقيق بعض الإنجازات المتوقّعة، بل يجب الوقوف إلى جانبه وتشجيعه؛ لئلّا يدخل في مرحلة الإحباط فيتحوّل إلى شخص متضررٍ نفسيًا، ومؤذٍ لمن حوله، نتيجة أساليب تربوية خاطئة من الأسرة أو المجتمع، كما يجب الابتعاد عن النقد السلبي القاسي، وعن المقارنة المؤذية مع أقرانه.
وليست الأسرة وحدها - المتمثّلة في الوالدين - مسؤولة عن هذه المرحلة، بل يبرز دور المدرسة والمجتمع كذلك، فالمعلّم له دور مهم في تعزيز المراهق وتعديل سلوكه، كما أنّ للمجتمع دورًا في احتوائه وتوجيهه، فالكلّ مسؤول عن هذه الفئة.
ولا ننسى دور الصداقة؛ إذ ينبغي توجيه المراهق إلى حسن اختيار أصدقائه دون فرض قسري أو انتقاص من شخصيات من يرتبط بهم.
وأخيرًا، لا بدّ من التأكيد على أهمية الحوار الهادئ مع المراهق، ومشاركته في اتخاذ القرارات وإشراكه في حلّ المشكلات التي يستطيع التعامل معها، والأخذ برأيه وتشجيعه على طرح الحلول المناسبة لعمره.
كما ينبغي الإيمان بأنّ المحبّة والعاطفة الحانية لهما دور كبير وفعّال في بناء شخصيةً قادرةً على تقبّل النقد البنّاء، والمساهمة بفاعلية في المجتمع.











